صدى الشعب-أسيل جمال الطراونة
أكدت الاستشارية النفسية الأسرية والتربوية حنين البطوش أن مفهوم الصحة النفسية في مجتمعاتنا ما يزال يواجه الكثير من اللبس وسوء الفهم، رغم أننا نعيش في عصر تتسارع فيه الضغوط وتتزايد فيه التحديات النفسية بشكل غير مسبوق. وأشارت إلى أن هذا المفهوم غالبًا ما يُختزل بصورة نمطية ضيقة تربطه بالمرض العقلي الشديد فقط، في حين أن الصحة النفسية هي أساس جودة الحياة وليست ترفًا أو رفاهية.
وأوضحت البطوش أن الحديث عن الصحة النفسية لا يعني غياب الاضطرابات فحسب، بل يشمل حالة من الاتزان الداخلي والقدرة على التكيف مع ضغوط الحياة، والعمل بإنتاجية، وبناء علاقات متوازنة. ووفق تعريف منظمة الصحة العالمية، فإن الصحة النفسية هي حالة من الرفاه يتمكن فيها الفرد من إدراك قدراته، والتعامل مع ضغوط الحياة الطبيعية، والمساهمة بفاعلية في مجتمعه.
وأضافت أن الشخص السليم نفسيًا ليس من لا يحزن أو لا يغضب، بل من يعرف كيف يفهم مشاعره ويديرها دون أن تفقده توازنه أو تعزله عن الحياة.
وفي سياق متصل، شددت البطوش على أهمية التمييز بين الضغوط الحياتية الطبيعية والاضطرابات النفسية، موضحة أن الحزن بعد فقدان، أو القلق قبل امتحان، أو التوتر في مرحلة انتقالية، كلها استجابات إنسانية طبيعية ومؤقتة. أما حين تستمر المشاعر السلبية لفترات طويلة، وتؤثر في الأداء اليومي، وتضعف القدرة على العمل أو الدراسة أو الحفاظ على العلاقات، فإن الأمر قد يشير إلى اضطراب يحتاج إلى تقييم متخصص. وأكدت أن الفارق لا يكمن في وجود الألم، بل في شدته ومدته وتأثيره على جودة الحياة.
كما لفتت إلى أن من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارًا الاعتقاد بأن من يزور أخصائيًا نفسيًا هو “مريض”، مبينة أن طلب الاستشارة النفسية يُعد سلوكًا وقائيًا صحيًا، يشبه مراجعة أي مختص لتحسين جودة الحياة. وأضافت أن كثيرًا من الأشخاص يلجؤون للعلاج النفسي لتطوير ذواتهم، أو لتحسين علاقاتهم، أو لتجاوز مرحلة انتقالية صعبة، لا لأنهم يعانون من اضطراب حاد، مؤكدة أن طلب المساعدة ليس ضعفًا، بل وعي ومسؤولية تجاه النفس.
وبيّنت البطوش أن استمرار الوصمة المرتبطة بالعلاج النفسي يعود إلى عوامل ثقافية واجتماعية متراكمة، من بينها نقص التثقيف النفسي، والخوف من أحكام المجتمع، وربط بعض التحديات النفسية بضعف الإيمان أو قلة الصبر. كما أشارت إلى أن بعض المصطلحات الشعبية المستخدمة لوصف المرض النفسي تحمل طابعًا ساخرًا أو مهينًا، ما يرسخ الخوف من طلب الدعم. وأضافت أن بعض البيئات تمجّد التحمل الصامت، وتنظر إلى الإفصاح عن الألم على أنه ضعف، بينما الحقيقة أن الشجاعة تكمن في الاعتراف بالحاجة وطلب العون.
وأكدت أن للإعلام دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الجمعي، مشيرة إلى أن تقديم الشخصيات التي تعاني من اضطرابات نفسية بصورة مشوهة أو خطيرة يعزز الخوف والصورة النمطية، في حين أن طرح الموضوع بلغة علمية وإنسانية يسهم في تطبيع فكرة العلاج النفسي، وكسر حاجز الصمت، وفتح باب الحوار المجتمعي.
وختمت البطوش بالتأكيد على أن الصحة النفسية ليست شأنًا فرديًا فحسب، بل مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والإعلام، وصنّاع القرار، لافتة إلى أنها تبدأ بالتثقيف المبكر، وتعليم الأطفال مهارات التعبير عن المشاعر، وإعادة تعريف القوة على أنها قدرة على المواجهة لا على الكتمان.
وقالت إننا بحاجة إلى تحويل سؤال “ماذا سيقول الناس؟
إلى سؤال أكثر وعيًا: “كيف أحمي نفسي وأحافظ على اتزاني؟
مؤكدة أن المجتمع السليم يبدأ بأفراد يتمتعون بصحة نفسية متوازنة، قادرة على التكيّف، والعطاء، وبناء علاقات قائمة على الوعي والاحترام.






