وسائل التواصل الاجتماعي تهدد اللغة العربية رغم تطورها الحضاري
ديمومة العطاء اللغوي مرتبطة بنشر الفصحى بين الجماهير ووسائل الإعلام
النهوض بالعربية مسؤولية المجامع والمؤسسات والدوائر الرسمية
فهم الدين والحضارة الإسلامية مرهون بفهم اللغة العربية
اللغة العربية مرّت بمراحل تطور مختلفة لتلبي متطلبات الحضارة والمعرفة الإنسانية
صدى الشعب – راكان الخريشا
في زمن تتسارع فيه التحولات الإعلامية وتتداخل فيه المنصات الرقمية مع الخطاب التقليدي، باتت اللغة العربية تواجه تحديات حقيقية في حضورها وسلامة استخدامها داخل وسائل الإعلام، وبين ضغوط السرعة، وهيمنة اللهجات، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، تتراجع الفصيحة أحيانًا عن موقعها الطبيعي بوصفها لغة الفكر والهوية والتعبير الحضاري، هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مكانة العربية اليوم، وأسباب ما يعتريها من ضعف في الخطاب الإعلامي، والسبل الكفيلة بإعادة الاعتبار لها، ليس بوصفها لغة تراث فحسب، بل لغة قادرة على مواكبة العصر وصناعة الوعي وحفظ هوية المجتمع.
اللغة العربية بين الهوية والواقع الإعلامي
وفي هذا السياق قال أستاذ اللغة العربية وآدابها، الأستاذ الدكتور خلف الخريشا، إن واقع استخدام اللغة العربية في وسائل الإعلام اليوم يعكس، في جوهره، ما أصاب الأمة نفسها، إذ لقد أصاب اللغة العربية ما أصاب أهلها من تبدد الكلمة، واضطراب الأمر، ووهن الاستقلال، وتمزق المجتمع، فأصبحت بعدهم كأنها محكومة بقوة خفية لا يُعرف ما هي، ولا يظهر منها إلا أثرها الذي يتبين فيما لحق اللغة من الضعف وما رهقها من العجز، وفي جمودها على حال واحدة، كأنها مقبورة في كتبها منذ تراجع التمدن الإسلامي أيام العباسيين إلى قريب من هذه الغاية، وأكد أن اللغة متى كانت صورة الأمة، فإن كل ما يعتور هذه الأمة يتصل أثره بتلك اللغة ضرورة، ولذلك بقيت العربية في ذاتها محتفظة بمرونتها الأولى، حتى يُتاح لها أقوام كأولئك الأقوام، وتُقيَّض لها أقلام كتلك الأقلام.
واقع استخدام الفصحى في الإعلام
وأوضح الخريشا أنه إذا أردنا لهذه اللغة ديمومة العطاء، فلا بد من نشر الوعي باستعمال اللغة العربية الفصيحة بين الجماهير العربية كافة، ولا سيما في وسائل الإعلام المنطوق منها والمكتوب، وفي مقدمتها الفضائيات، وأضاف أن التغير السريع في أوضاع الحياة اليومية، المواكب للتغير في أنماط الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يحتم علينا اليوم أكثر من أي وقت مضى أن ننظر إلى الأساس الفكري والأخلاقي لحياة الأمة، ومن هنا يبرز سؤال جوهري هو ما أهمية اللغة العربية مبينًا أن كل جيل يحمل إجاباته الخاصة وفق خبراته وحاجاته إلى الجيل اللاحق، إلا أن السؤال الذي أجاب عليه الأجداد قد لا تبدو إجابته وافية للأحفاد.
الأخطاء اللغوية الشائعة وأسبابها التاريخية
وفيما يتعلق بالأخطاء اللغوية الشائعة في الإعلام، أشار الخريشا إلى أن وسائل الإعلام درجت على عدم متابعة الأخطاء اللغوية للعاملين لديها، وأن أبرز ما يميز هذه الأخطاء هو جهل الإعلاميين بلغتهم، وميل المتكلمين بها – كما يرى ابن جني – إلى ترك ما يُستثقل من الكلام إلى ما هو أخف، وهو ما ردده تحت مفهومي “الاستثقال والاستخفاف”، إذ يقول مثلًا «ومن ذلك إسكانهم نحو: رُسُل، وعُجز، وعَضُد، وظَرف، وكَرَم، وعِلْم، وكَتِف، وكَبِد، وعَصر»، واستمرار ذلك في المضموم والمكسور دون المفتوح، وهو أدل دليل، بفصلهم بين الفتحة وأختيها، على ذوقهم الحركات، واستثقالهم بعضًا واستخفافهم الآخر.
وأضاف أن من الأسباب المعروفة أيضًا ما يقرره اللغويون من نشأة أخطاء لغوية تظل دون تصحيح نتيجة ظروف معينة، إلى أن تصبح بعد ذلك مستوى لغويًا مقررًا، وإلى مثل هذا يشير ابن جني في الباب الذي سماه “أغلاط العرب”، إذ يقول: «كان أبو علي – رحمه الله – يرى وجه ذلك، ويقول: إنما دخل هذا النحو في كلامهم لأنهم ليست لهم أصول يراجعونها، ولا قوانين يعتصمون بها، وإنما تهجم بهم طباعهم على ما ينطقون به، فربما استهواهم الشيء فزاغوا به عن القصد».
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على سلامة اللغة
وحول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على سلامة اللغة العربية في الخطاب الإعلامي، أوضح الخريشا أنه إذا نظرنا إلى اللغة على أساس أنها أداة للتعبير ومكوّنًا للحضارة الإنسانية، فإن اللغة العربية تحتل مكانة متميزة بين لغات العلم، وهي أحد أهم اللغات المتكلمة على سطح هذه الكرة الأرضية، حينما نأخذ بعين الاعتبار المدّ الجغرافي الحضاري لهذه اللغة، إذ حمل الإسلام العربية كأداة حضارية خارج الجزيرة العربية لتشمل مناطق واسعة من العالم، من الهلال الخصيب، ومصر، والمغرب العربي، والسودان، ومالطا، ونيجيريا، والصحراء الغربية، وزنجبار وغيرها، وفي معظم هذه البلدان، تعد اللغة العربية لغة الدين والأدب والتجارة والإدارة، ولا ينبغي أن يغيب عن البال أن العربية كانت اللغة الرسمية في إسبانيا في عهد الأمويين.
العربية بين الحضارة الإسلامية والانتشار الجغرافي
وبيّن الخريشا أن العلماء الغربيين والمستغربين من أبناء العربية تنبهوا إلى وجود اختلاف في اللهجات بين أصقاع الوطن العربي، فوضعوا السم في الدسم بالدعوة إلى العامية في شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي، إلا أن هذه الدعوات ووجهت بالفشل، حيث لاحظوا أن اللغة المكتوبة، ولغة الأدب والصحافة والعلوم المختلفة في جل الأصقاع العربية، هي تلك اللغة الممتدة بجذورها إلى العربية الفصيحة، وأن لهجاتنا تنتمي إليها بمفرداتها وبنائها الصوتي الفونولوجي، والصرفي التركيبي، والدلالي، ولذلك وجّهوا سهام وسائل التواصل الاجتماعي المسمومة صوب هذه اللغة، ومع أن اللغة العربية قد مرّت بمراحل تطور مختلفة، فإن مفرداتها وصيغ تعابيرها واءمت متطلبات التطور الحضاري لمختلف المعارف الإنسانية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن البنية النحوية التي جاء بها القرآن الكريم، والسبيل الذي نهجه أبناء العربية منذ العصر الجاهلي حتى يومنا هذا، جعلها لغة الحياة لتتربع على عرش اللغات السامية، وهي لا تعيش بتأثيرها على العقل البشري فحسب، بل كلغة تتعايشها معظم أطياف البشرية داخل الوطن العربي وخارجه.
دور المجامع والمؤسسات في النهوض باللغة
وأكد الخريشا أنه إذا أردنا النهوض بلغتنا العربية، فعلى المجامع اللغوية، والمؤسسات الإعلامية، والوزارات، والدوائر الرسمية وشبه الرسمية، والمؤسسات والشركات العامة، وكذلك الجمعيات والنقابات والمنظمات الشعبية، المحافظة على سلامة اللغة العربية، واعتمادها في وثائقها ومعاملاتها، وجعلها وافية بأغراضها القومية والحضارية.
أهمية اللغة العربية لفهم الدين والحضارة الإسلامية
وأضاف الخريشا أن التقليل من أهمية اللغة العربية، كما في التساؤل عن أهميتها لدول مثل المغرب، يحمل في طياته تناقضًا ظاهريًا، فالمجتمعات لا تحيا في الحاضر والمستقبل فقط، وإنما تحيا بماضيها، ولا يوجد أي مجتمع يمكن أن يبتر نفسه عن جذوره الأولى، ومن هنا يمكننا أن نعي كيف بقيت اللغة العربية شامخة بين اللغات الإسلامية الأخرى، إذ لم تستطع أي من لغات الفتح الإسلامي أن تحتويها، وها هي الفارسية والتركية والأوروبية خير شاهد على ذلك، فالعربية مادة الإسلام الأولى التي لا يمكن فهمه إلا من خلالها، وثباتها أمام تيارات الصراع التي تتعرض لها بين الحين والآخر خير دليل على رسوخها.
وأوضح الخريشا أن الحفاظ على الذات والمجتمع يتطلب وقاية من التيارات الجارفة، وهذه الوقاية ذات بعدين الاتساع، الذي يأتي من الفهم المعرفي والوعي بطبيعة التيارات الطارئة، والعمق، الذي يتحقق من خلال فهم التاريخ، بوصفه سيرة حياة مجتمع، ففهم تاريخ المجتمعات الأوروبية والأمريكية قد يكون ضروريًا لفهم ظواهر كالعولمة، لكنه لا يبدو بالضرورة حلًا لمشكلاتنا الخاصة، التي لا تُفهم إلا في سياق تاريخنا وثقافتنا ولغتنا.
أهمية اللغة العربية لفهم الدين والحضارة الإسلامية
وأكد الخريشا أن القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف شكّلا المنهل الحافظ للغة العربية، مستشهدًا بقوله تعالى: «إنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين»، وقوله سبحانه: «إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون»، و«كتاب فُصلت آياته قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون»، و«قرآنًا عربيًا غير ذي عوج»، و«إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون».
وأوضح أن فهم الدين والحضارة الإسلامية لا يتم دون فهم اللغة العربية، حتى لدى المسلمين غير الناطقين بها، إذ لا تتم الصلاة إلا بالعربية، ولا يُقرأ القرآن الكريم إلا بها.
لغة الحياة والهوية المستمرة
وختم الخريشا بالقول إن اللغة العربية هي لغة الحياة والخلود، ترافق الإنسان المسلم منذ لحظة ولادته حين تُهمس الشهادة في أذنه، وحتى لحظة وفاته، وتظل حاضرة في تفاصيل يومه مع الأذان والصلاة، لتبقى عنصرًا جوهريًا في بناء الهوية، وصون الوعي، وحماية المجتمع عبر الزمان.
![{"remix_data":[],"remix_entry_point":"challenges","source_tags":[],"origin":"unknown","total_draw_time":0,"total_draw_actions":0,"layers_used":0,"brushes_used":0,"photos_added":0,"total_editor_actions":{},"tools_used":{},"is_sticker":false,"edited_since_last_sticker_save":false,"containsFTESticker":false}](https://shaabjo.com/wp-content/uploads/2026/02/Picsart_26-02-10_11-25-41-639-750x375.jpg?v=1770712151)





