صدى الشعب – راكان الخريشا
في مشهد لافت أثار موجة واسعة من الجدل والتساؤلات، نشر البيت الأبيض صورة مموّهة على نحو غير مألوف، فتحت الباب أمام قراءات متعددة وتأويلات متباينة بين المتابعين، وبين من اعتبرها خللًا تقنيًا عابرًا، ومن قرأها كرسالة مقصودة تحمل دلالات سياسية أو إعلامية، تحولت الصورة إلى مادة للنقاش، تتجاوز كونها مجرد محتوى بصري إلى أداة تواصل تحمل في طياتها أكثر مما تُظهره هذا الغموض الذي رافق الصورة، أعاد تسليط الضوء على أساليب التواصل الحديثة في الخطاب السياسي والإعلامي، حيث لم يعد الوضوح شرطًا أساسيًا لإيصال الرسائل، بل باتت بعض الجهات تعتمد على الإيحاء وترك مساحات للتفسير، بهدف إثارة التفاعل وجذب الانتباه، وبينما يراها خبراء خطوة مدروسة ضمن أدوات التأثير الرقمي، يحذر آخرون من تداعياتها على مستوى الثقة العامة، خاصة عندما تصدر عن مؤسسات رسمية يفترض بها تقديم الوضوح لا الغموض.
إبراهيم: الجهة الناشرة توصل رسالة مفادها تمتلك الحقيقة وتتحكم بالتوقيت وآلية كشفها
وفي هذا السياق ترى الدكتورة، فاديا إبراهيم، المختصة في علم الاجتماع، إن الصورة التي نشرها البيت الأبيض بشكل مشوش لا يمكن قراءتها بوصفها خللاً تقنياً أو صدفة بصرية، بل تمثل فعلًا تواصليًا مقصودًا، يحمل دلالات نفسية واجتماعية عميقة تعكس طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي المعاصر.
وتوضح إبراهيم أن “التشويش” في الصورة، من منظور علم الاجتماع البصري، يُعد رسالة قائمة بحد ذاتها؛ إذ أن حجب التفاصيل لا يلغي المعنى، بل يعيد تشكيل العلاقة بين المُرسل والمتلقي، فالجهة الناشرة وفق هذا الطرح، توصل رسالة ضمنية مفادها أنها تمتلك الحقيقة الكاملة، لكنها تتحكم في توقيت وكيفية الكشف عنها، وتضيف أن هذا النمط يعكس ما يُعرف بـ”السلطة الرمزية”، حيث لا تُمارس القوة فقط عبر ما يُقال، بل أيضًا عبر ما يتم إخفاؤه أو تأجيله، ليصبح الغموض أداة تأثير فاعلة لا مجرد نقص في الوضوح.
وعلى الصعيد النفسي، تشير إبراهيم إلى أن هذا النوع من الصور يخلق حالة من التوتر المعرفي لدى الجمهور، إذ يميل الإنسان بطبيعته إلى البحث عن المعنى وإكمال الصورة الناقصة، وعندما يُحرم من الوضوح، ينخرط في عمليات التحليل والتأويل، ما يحوّله من متلقٍ سلبي إلى مشارك فعلي في إنتاج المعنى، وبهذا تتحول الصورة من رسالة مغلقة إلى مساحة مفتوحة للتفسير، تتوسع عبر النقاشات والتفاعلات على المنصات الرقمية.
أما اجتماعيًا، فتعتبر إبراهيم أن هذه الظاهرة تعكس ملامح ما يمكن تسميته بـ”عصر الضبابية الإعلامية”، حيث لم تعد قيمة الرسالة في وضوحها فقط، بل في قدرتها على إثارة الجدل وتحفيز التفاعل، فالصورة الغامضة، بحسب رأيها لا تكتفي بنقل معلومة، بل تصنع حالة من التساؤل المستمر، وتنتج نقاشًا قد يكون أكثر تأثيرًا من الخبر ذاته، ما يمنح الرسالة عمرًا أطول في الفضاء العام.
وتلفت إبراهيم إلى أن هذا الأسلوب قد يُستخدم أيضًا كأداة غير مباشرة لاختبار ردود فعل الجمهور، من خلال طرح محتوى ملتبس يسمح بقياس الاتجاهات العامة دون إعلان موقف صريح، وهو ما يمثل برأيها أسلوبًا ناعمًا لاستطلاع الرأي العام وفهم كيفية تفسير الناس للإشارات غير المكتملة.
وتشير إبراهيم إلى أن هذه الصورة لا يمكن التعامل معها كمحتوى بصري غير واضح فحسب، بل كنموذج لأسلوب تواصلي حديث يعتمد على الغموض كقوة، ويُشرك الجمهور كجزء من عملية إنتاج المعنى، مع إبقاء السيطرة بيد الجهة الناشرة، في معادلة معقدة بين ما يُظهر وما يُخفى.






