صدى الشعب – كتبت د.مرام بني مصطفى
في لحظات الأزمات المفاجئة، كصوت صفارات الإنذار، أو دويّ الانفجارات، أو الحوادث الأمنية والكوارث الطبيعية، يجد الأطفال أنفسهم أمام مشاعر متداخلة من الخوف والارتباك وعدم الفهم. فهم لا يملكون بعد القدرة الكاملة على تفسير ما يجري حولهم، مما يجعلهم أكثر هشاشة أمام الصدمات النفسية. وهنا تتجلّى مسؤولية الوالدين ومقدمي الرعاية؛ فالدور لا يقتصر على الحماية الجسدية، بل يمتد إلى الاحتواء النفسي والعاطفي الذي يرسّخ شعور الأمان في داخل الطفل.
يشعر الأطفال في مثل هذه الظروف بخوف شديد، لأن عقولهم ما تزال في طور النمو، وقدرتهم على استيعاب الأحداث المفاجئة والمخيفة محدودة. الطفل لا يفرّق بسهولة بين الخطر الحقيقي والمتخيَّل، كما أن إحساسه بالأمان يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتصرفات والديه ونبرة أصواتهم وتعابير وجوههم. أي انفعال زائد أو ارتباك ظاهر من الكبار قد يفسّره الطفل على أنه دليل على أن الخطر داهم، فيتضاعف قلقه ويزداد توتره. لذلك فإن قلق الوالدين وانفعالاتهم ينعكس مباشرة على استقرار الطفل النفسي.
ولمساعدة أطفالنا على تجاوز هذه اللحظات بأقل أثر نفسي ممكن، يمكن اتباع جملة من الإرشادات العملية:
أولًا: التحكّم بردّة الفعل أمام الطفل.
حتى وإن شعر الأهل بالخوف، من المهم ضبط الانفعال قدر الإمكان. التنفس ببطء، والتحدث بنبرة هادئة، والحفاظ على ملامح مطمئنة، كلها رسائل غير لفظية يلتقطها الطفل سريعًا. فهو يقرأ مشاعر والديه قبل أن يستمع إلى كلماتهم، ويرى فيهم مرآة أمانه.
ثانيًا: تقديم تفسير بسيط ومطمئن.
الصمت قد يفتح الباب لخيال الطفل، وغالبًا ما يكون خياله أكثر قسوة من الواقع. لذلك يحتاج إلى شرح يتناسب مع عمره، دون تفاصيل مرعبة. يمكن القول مثلًا:
“هذا الصوت لتنبيه الناس حتى يتصرفوا بسرعة، ونحن الآن في مكان آمن وكل شيء بخير.”
التفسير الواضح يقلّل من الغموض ويحدّ من القلق.
ثالثًا: القرب الجسدي والعاطفي.
الاحتضان، ولمسة اليد، والكلمات الدافئة، كلها وسائل فعّالة لتهدئة الجهاز العصبي لدى الطفل. عبارات مثل: “أنا معك… لن أتركك… الله يحفظنا” تمنحه إحساسًا عميقًا بالاحتواء، وتعيد إليه توازنه الداخلي.
رابعًا: تشتيت الانتباه بلطف بعد انتهاء الحدث المباشر.
يمكن إشغال الطفل بنشاط يحبه كالرسم أو التلوين أو سماع قصة أو اللعب بتركيب الألعاب. هذه الأنشطة تنقل الطفل من حالة الاستنفار إلى حالة الاسترخاء، وتساعده على استعادة شعوره الطبيعي بالأمان.
خامسًا: الإجابة عن الأسئلة بصدق دون تهويل.
قد يطرح الطفل أسئلة مباشرة مثل: “هل سنموت؟” أو “هل هناك من تأذّى؟”
من المهم عدم الكذب، لكن مع تقديم إجابة متوازنة ومطمئنة، مثل:
“هناك أشخاص مهمتهم حمايتنا، ونحن نتبع التعليمات لنكون بأمان.”
الصدق المدروس يبني الثقة، بينما التهويل أو التجاهل قد يزيد القلق أو يزعزع شعور الأمان.
بعد انتهاء الأزمة، ينبغي مراقبة سلوك الطفل، إذ قد تظهر بعض ردود الفعل النفسية لاحقًا، مثل التبول الليلي المفاجئ، أو التعلق الزائد بأحد الوالدين، أو نوبات البكاء والغضب، أو اضطرابات النوم والكوابيس، أو تغيّر الشهية. غالبًا ما تكون هذه الاستجابات مؤقتة وتزول خلال أيام أو أسابيع، لكن استمرارها أو شدّتها يستدعي استشارة أخصائي نفسي للأطفال.
ولتعزيز مناعة الطفل النفسية على المدى البعيد، يمكن جعل الحديث عن “الطوارئ” جزءًا من التربية بطريقة هادئة وغير مخيفة، كالتدرّب على ما ينبغي فعله عند سماع الإنذار. كما ينبغي تشجيع الطفل على التعبير عن مشاعره بحرية، ومراقبة ما يتعرّض له من أخبار وصور ومقاطع قد تزيد من توتره.
في الأزمات، لا يبحث الطفل عن الحقيقة الكاملة بقدر ما يبحث عن حضن يشعر فيه بالأمان. فالأمان لا تصنعه الجدران وحدها، بل يصنعه الحضور الواعي، والكلمة الطيبة، والنبرة الهادئة، واللمسة الحانية. كل موقف داعم، وكل احتواء صادق، هو درع نفسي يحمي الطفل ويعينه على الثبات في عالم مليء بالتغيرات.
حمى الله الأردن وأهله من كل سوء.
الاستشارية النفسية والتربوية






