صدى الشعب – كتبت رولا حبش
تُعدّ قضية المخدرات من أخطر القضايا المجتمعية التي لا يجوز التعامل معها بردود فعل انفعالية أو حلول سطحية، لأنها ليست مجرد مشكلة أمنية يمكن حسمها بإجراء واحد، بل ظاهرة نفسية واجتماعية وصحية معقدة، تتداخل فيها عوامل كثيرة تتجاوز فكرة التعاطي بحد ذاتها.
يطرح البعض فكرة الفحص الشامل للكشف عن متعاطي المخدرات باعتباره حلًا جذريًا، إلا أن هذا الطرح يثير إشكالات عملية وإنسانية خطيرة.
فالفحوصات الطبية قد تعطي نتائج كاذبة، إذ إن العديد من الأدوية المشروعة قد تظهر مؤشرات تشبه المواد المخدرة، ما يفتح بابًا للوصم الاجتماعي والتجريم الخاطئ، ويحوّل الإجراء من وسيلة حماية إلى أداة ظلم غير مقصود.
وحتى لو افترضنا جدلًا أن الفحوصات كشفت عن أعداد كبيرة من المتعاطين، يبرز السؤال الأهم: ماذا بعد؟ هل يمتلك المجتمع بنية علاجية كافية قادرة على استيعاب هؤلاء؟ هل لدينا مراكز متخصصة بعلاج الإدمان من حيث العدد والتوزيع والكفاءة؟ وهل تتوفر كوادر مؤهلة للتعامل مع الإدمان بوصفه اضطرابًا نفسيًا وسلوكيًا يحتاج إلى علاج وتأهيل طويل الأمد، لا إلى العقاب فقط؟
وإن اللجوء إلى السجن كحل بديل يطرح بدوره معضلة أكبر، فالسجون لا تُعدّ بيئات علاجية، وغالبًا ما تتحول إلى عامل يزيد المشكلة تعقيدًا، فضلًا عن الكلفة الاقتصادية الباهظة التي تتحملها الدولة، والكلفة الاجتماعية والنفسية التي يدفعها الأفراد والأسر والمجتمع بأكمله.
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الإدمان في جوهره ليس انحرافاً أخلاقياً فحسب، بل حالة إنسانية معقدة ترتبط بالضغوط النفسية، والفراغ، والصدمات، وضعف المهارات الحياتية، وأحيانًا باضطرابات نفسية غير مشخصة أو غير معالجة. إن التعامل مع هذه الظاهرة بعقلية العقاب وحدها يدفع المتعاطين إلى الاختباء والصمت بدل طلب المساعدة، ويُفقد المجتمع فرصة الوقاية والتعافي.
من هنا، يبرز الحل الأكثر واقعية واستدامة في تكثيف حملات التوعية الشاملة، لا باعتبارها نشاطًا موسميًا، بل سياسة وطنية مستمرة. توعية تبدأ من المدارس بلغة تربوية تبني الوعي والقدرة على الرفض واتخاذ القرار، وتمتد إلى الجامعات لمناقشة الضغوط والفضول وتأثير الرفقة، وتشمل أماكن العمل من خلال تعزيز الصحة النفسية وإدارة التوتر، ولا تستثني الأهل بوصفهم خط الدفاع الأول.
إن مواجهة المخدرات لا تكون بدفن الرؤوس في الرمال، ولا باختزال المشكلة في الفحص أو العقوبة، بل ببناء وعي مجتمعي حقيقي، وتوفير بدائل علاجية فاعلة، وفتح أبواب الدعم بدل توسيع دوائر الخوف.
فالمجتمع الآمن لا يُبنى بالقمع وحده، بل بالفهم، والوقاية، والمسؤولية المشتركة…






