صدى الشعب -أسيل جمال الطراونة
مع حلول شهر رمضان، تتجدد الأسئلة حول قدرته على إحداث تغيير حقيقي في سلوك الأفراد وعاداتهم اليومية.
فهل يُعدّ هذا الشهر الفضيل فرصة فعلية لإعادة تشكيل العادات؟ وما الذي يجعله بيئة نفسية محفزة للتغيير؟
تجيب الأخصائية النفسية ريم علي جعفر بأن رمضان يُعتبر من أقوى “المواسم النفسية” القابلة لإعادة تشكيل العادات، موضحةً أن نجاح التغيير يرتبط بتوافر ثلاثة عناصر أساسية.
أولًا، البيئة الداعمة جماعيًا، إذ يعيش المجتمع بأكمله الإيقاع ذاته من صيام وصلاة وتقليل للمشتتات، ما يخلق حالة من الانسجام الجماعي تسهّل الالتزام.
ثانيًا، الإطار الزمني المحدد، فثلاثون يومًا تُعد مدة كافية لبناء مسار عصبي جديد وترسيخ عادة مختلفة.
ثالثًا، المعنى الروحي العميق، إذ يعزز البعد الإيماني الدافعية الداخلية، فلا يكون الالتزام نابعًا من ضغط خارجي، بل من قناعة ذاتية.
وتؤكد جعفر أن رمضان يوفّر ما يمكن وصفه بحالة “إعادة ضبط” نفسية وسلوكية (Reset)، حيث يصبح الفرد أكثر وعيًا بسلوكياته اليومية وأكثر استعدادًا للتخلي عما لا يخدم نموه الشخصي.
استثمار الأجواء الروحانية لبناء عادات جديدة
وحول إمكانية استثمار الأجواء الروحانية والانضباط اليومي للتخلص من العادات السلبية، تشير جعفر إلى أن التأثير قد يكون كبيرًا جدًا، بشرط أن يكون التغيير واعيًا ومخططًا، لا عاطفيًا ومؤقتًا.
فرمضان يخلق إيقاعًا يوميًا منظمًا، ويقلل من الإغراءات المرتبطة بالطعام أو التدخين أو الانشغالات المفرطة، كما يرفع مستوى المراقبة الذاتية لدى الفرد عبر وعيه الدائم بأنه صائم وهذه العوامل مجتمعة تعزز ما يُعرف في علم النفس بـ “التحكم التنفيذي” (Executive Control).
وتوضح أن نجاح الفرد في الامتناع عن أمر أساسي كالأكل لساعات طويلة، يعزز ثقته بقدرته على كسر عادات أخرى مثل التدخين، والتسويف، والانفعال الزائد، والإفراط في استخدام الهاتف. لكنها تشدد على أهمية عدم محاولة تغيير كل شيء دفعة واحدة، بل التركيز على عادة أو اثنتين بجدية والتزام حقيقي.
ومن منظور نفسي وعصبي، ترى جعفر أن الصيام يمثل تمرينًا يوميًا على ما يُسمى “تأجيل الإشباع” (Delayed Gratification). فكل مرة يقاوم فيها الشخص رغبة فورية، يتم تنشيط القشرة الجبهية الأمامية في الدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن التخطيط وضبط السلوك.
كما أن الامتناع الواعي يعزز الشعور بالكفاءة الذاتية؛ إذ تتشكل قناعة داخلية مفادها: “إذا استطعت أن أصوم، فأنا قادر على السيطرة على سلوكياتي الأخرى”. وتضيف أن الصيام يدرّب الفرد على ملاحظة الرغبة دون الاستجابة الفورية لها، وهي مهارة أساسية في العلاج السلوكي وضبط الإدمان.
أما عن استمرارية التغييرات السلوكية بعد انتهاء الشهر، فتوضح جعفر أن الأمر يعتمد على طبيعة الدافع والخطة الموضوعة.
فغالبًا ما تكون التغييرات مؤقتة إذا كانت مدفوعة بالحماس فقط، أو مرتبطة بالأجواء الجماعية دون وجود دافع داخلي، أو غير مخطط لها للاستمرار. في المقابل، تزيد فرص الاستدامة عندما تُربط العادة الجديدة بقيمة شخصية عميقة، وتُوضع لها خطة لما بعد رمضان، مع تخفيف حدّتها تدريجيًا بدل الانقطاع المفاجئ.
وتختتم بالقول رمضان ليس هدفًا بحد ذاته، بل منصة انطلاق”.
نصائح نفسية لاستثمار رمضان كنقطة تحوّل
تقدم الأخصائية النفسية مجموعة من الإرشادات العملية للراغبين في جعل رمضان بداية حقيقية لتغيير نمط حياتهم اختيار عادة سلبية واحدة وأخرى إيجابية فقط.
وتحديد سلوك قابل للقياس، مثل: قراءة 20 دقيقة يوميًا
ايضًا ربط العادة بوقت ثابت (بعد الفجر أو قبل الإفطار)
وتسجيل الالتزام يوميًا، لأن التتبع يعزز الاستمرارية وطرح سؤال جوهري: “أي نسخة من نفسي أريد أن أخرج بها بعد 30 يومًا؟”
وتؤكد أن التغيير الحقيقي لا يتحقق بالقسوة على الذات، بل بالاستمرارية الهادئة والانضباط المتدرج، ليصبح رمضان محطة وعي، لا مجرد تجربة عابرة.






