صدى الشعب _ أسيـل جمـال الطـراونـة
قالت الدكتورة أريج جبر، أستاذة العلوم السياسية، أن الحزب السياسي يقوم على برنامج سياسي وميثاق تأسيسي يحدد مساره ، فيما يسعى إلى الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها عبر أدوات ديمقراطية مشروعة، مثل الانتخابات النيابية والبلدية أو عبر تولي المناصب العليا في الدولة ومن هنا، يمثل الحزب الذراع المؤسسي للحياة الديمقراطية، ومؤشرًا على مستوى تطور التجربة السياسية ونضجها.
وأضافت جبر لـ”صدى الشعب “أنه وفي الحالة الأردنية إلى أن قانون الأحزاب العصري شكّل خطوة مهمة لتنظيم الحياة الحزبية، حيث منح الشباب والمرأة وذوي الإعاقة مساحة واسعة للتمكين والفاعلية، لا لمجرد الحضور التكميلي وقد انعكس ذلك على الانتخابات النيابية الأخيرة بحضور حزبي واضح، ما أفرز لاحقًا مشاورات لتشكيل الحكومة على أساس حزبي، وهو ما اعتبر بداية لتبلور ثقل حزبي مؤثر في الساحة السياسية.
وأوضحت الفرق بين الأحزاب والنقابات المهنية أو مؤسسات المجتمع المدني، إذ ترى أن الأحزاب تحمل بعدًا سياسيًا سلطويًا يسعى للمشاركة في الحكم، بينما تبقى النقابات والتجمعات المدنية ذات طابع مهني أو حقوقي يسعى لرعاية مصالح الأعضاء والدفاع عن الفئات المستضعفة، غير أن جميع هذه الكيانات، على اختلاف طبيعتها، تلتقي عند نقطة أساسية، وهي أنها مؤشرات على مستوى الديمقراطية، ورسائل على رسوخ الدولة المدنية ومؤسسات القانون وتكافؤ الفرص.
و ترى جبر أن الأحزاب السياسية تمثل وسيطًا مؤسسيًا بين المواطن والدولة، حيث تنقل مطالب المجتمع إلى صانع القرار وتصيغها ضمن أجندات سياسية وتشريعية، كما تضطلع بدور رقابي على أداء الدولة، وتعمل على رفع وعي المواطنين سياسيًا وتثقيفهم حول أهداف الدولة وبرامجها. إضافة إلى ذلك، تُعد الأحزاب رافدًا لإعداد الكفاءات وتأهيلها لتولي مواقع المسؤولية وصنع القرار، إلا أن هذا الدور، وفق جبر، ما يزال محدودًا في الأردن والعالم العربي، حيث أخفقت الكثير من الأحزاب في ترسيخ نفسها ككيانات قائمة على برامج واضحة، وظلت أسيرة الشخصيات والعلاقات العائلية، مما أضعف حضورها في الحياة الديمقراطية.
أما عن الحياة الحزبية في العالم العربي، فتؤكد جبر أنها لم تصل بعد إلى مستوى النضج الذي يجعلها ركيزة أساسية للديمقراطية، بخلاف التجارب الأوروبية التي أفرزت أحزابًا حاكمة تتداول السلطة بسلاسة. ففي الأردن، ورغم النقلة النوعية منذ عام 1989 عبر الإصلاحات الدستورية والقانونية وتوسيع قاعدة المشاركة، إلا أن الفجوة بين الأحزاب والرأي العام ما تزال قائمة. ويعود ذلك إلى إرث تاريخي ارتبط بالملاحقات السابقة لأعضاء الأحزاب، ما خلق خوفًا اجتماعيًا من الانخراط الحزبي. كما أن الكثير من الأحزاب ظلت محكومة بالبعد العشائري والمصلحي على حساب البرامج والأيديولوجيا، ما جعل بعضها يعيش حالة الموت السرير.
وتوضح جبر أن الحزب لا يمكن أن يكون فاعلًا في التشريع ما لم يمتلك تمثيلًا قويًا داخل البرلمان أو يحظَ بمشاركة فاعلة في السلطة ،فالتأثير يتجلى من خلال عدة مسارات، أبرزها: تشكيل كتل منظمة قادرة على تمرير القوانين أو تعديلها، بناء تحالفات سياسية تتيح للحزب الانخراط في الحكومة، صياغة برامج انتخابية واضحة تمنحه الشرعية أمام المواطنين، وأخيرًا توظيف الأدوات الإعلامية والبحثية للتأثير على الرأي العام وصانعي القرار.
وفيما يتعلق بضعف الإقبال الشعبي على الأحزاب، تذكر جبر مجموعة من الأسباب، في مقدمتها غياب الثقة والمصداقية نتيجة تكرار الوجوه وغياب البرامج المقنعة، إضافة إلى الطابع الموسمي للنشاط الحزبي الذي يتركز غالبًا في فترة الانتخابات فقط، كما يلعب الخوف المجتمعي والوصمة الاجتماعية دورًا في عزوف المواطنين، إلى جانب التجارب السلبية السابقة وضعف استمرارية بعض الأحزاب، فضلًا عن هيمنة البعد العشائري والفردي الذي أضعف فكرة المؤسسة الجامعة.
وتشير جبر إلى أن جذب الشباب يتطلب نقلة نوعية في العمل الحزبي، من خلال تمكينهم فعليًا ووضعهم في الصفوف الأمامية، وتبني برامج واقعية مرتبطة بقضاياهم مثل البطالة والحريات وتكافؤ الفرص، مع اعتماد أدوات الإعلام الرقمي ولغة قريبة من جيل الشباب.
كما دعت إلى الانتقال من التنظير إلى الممارسة عبر مبادرات عملية ومشاريع شبابية، مع إبراز قدوات ناجحة من داخل الأحزاب لتعزيز الثقة بالعمل الحزبي.
وأختتمت بالتأكيد على أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات وإنما بالعمل المؤسسي الحقيقي. ولتحقيق تجربة حزبية ناجحة، لا بد أن تمتلك الأحزاب استراتيجيات واضحة قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى، وأن تنهض بأدوارها المجتمعية وتعزز قدرتها على الصمود والتجدد.
وترى أن مسؤولية الأحزاب تكمن في احتضان الشباب ونقلهم من حالة اللامبالاة إلى المشاركة الفاعلة، مؤكدة أن القوانين وحدها لا تكفي، بل إن أساس نجاح الحياة الحزبية يرتبط بمدى إيمان الأحزاب بالقيم المدنية والعدالة والمشاركة الجماعية.






