زوانة: البطالة الممتدة منذ 20 عامًا تُفاقم الضغوط المعيشية
زوانة: سوق العمل غير المنظم يهدد الاستقرار المالي للأسر
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
مع تواصل ارتفاع التكاليف المعيشية، يجد المواطن نفسه أمام معادلة مالية معقدة، حيث تتصادم الاحتياجات اليومية مع الطموحات طويلة الأمد، فالأعباء الاقتصادية المتزايدة، من إيجارات وفواتير ومصاريف أساسية، لم تعد مجرد ضغط مؤقت، بل أصبحت عاملاً محورياً يعيد تشكيل أولويات الأسر ويؤثر على قرارات مصيرية مثل شراء مسكن، أو تأسيس مشروع.
ويبرز التساؤل هل هذا التأجيل المتكرر للخطوات الاقتصادية الكبرى هو خيار استراتيجي قائم على التخطيط والحذر، أم انعكاس مباشر لضغوط مالية متصاعدة تقيد قدرة الفرد على التخطيط لمستقبله، كما تثير هذه الظاهرة جدلية أوسع حول سلوكيات الادخار والإنفاق للأسر الأردنية، ومدى كفاية السياسات الاقتصادية لمواجهة آثار التضخم والارتفاع المتواصل في كلفة المعيشة.
وكان البنك الدولي قد ثبَّت العام الماضي تصنيف الأردن ضمن الدول ذات الدخل المتوسط المنخفض للعام الثالث على التوالي بعد أن كان ضمن فئة الدخل المتوسط المرتفع خلال الفترة 2017–2022، فيما عرَّف البنك الاقتصادات ذات الدخل المتوسط المنخفض بالنسبة للسنة المالية الحالية 2026، بتلك التي يبلغ نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي فيها بين 1136 دولاراً أميركياً و4495 دولاراً أميركياً.
في هذا السياق،قال المختص بالاقتصاد السياسي زيان زوانة إن سوق العمل الأردني والواقع الاقتصادي والاجتماعي يمران بمرحلة حرجة، انعكست بشكل مباشر على ميزانيات الأسر، وقدرة الشباب على الادخار، واتخاذ قرارات مصيرية مثل الزواج وتأسيس الأسر.
وأوضح زوانة خلال حديثه لـ (صدى الشعب) أن من أبرز المؤشرات الحقيقية لسوق العمل في الأردن ارتفاع نسبة العمالة في السوق غير المنظم من حجم الناتج المحلي الإجمالي، مبينًا أن خصائص هذا السوق تتمثل في مداخيل شبه يومية وغير مستقرة، إضافة إلى غياب أي حماية اجتماعية للعاملين فيه، ما يجعل هذه الشريحة من الأردنيين عرضة لأزمات مالية حادة عند أي طارئ صحي أو مطلب اجتماعي.
وأشار إلى أن هذه المعطيات تعني أن نحو نصف قوة العمل الأردنية خارج مظلة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، الأمر الذي ينعكس سلبًا وبوضوح على متانة أوضاعها المالية، ويضعف قدرتها على الادخار، ويقلل من قدرتها على مواجهة تكاليف الزواج وتحمل مسؤولياته.
وأضاف أن هيكل الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص يُعد ضعيفًا، خاصة أمام تكاليف المعيشة اليومية، ما يضطر العاملين إلى اللجوء للاقتراض من البنوك لتغطية متطلبات حياتهم الأساسية.
وبيّن أن آخر الأرقام الرسمية تشير إلى أن الأردنيين الأفراد اقترضوا من البنوك حتى نهاية أيلول 2025 نحو 14.2 مليار دينار، منها 40% لشراء السكن، و32% لمصاريف شخصية، و13% لشراء السيارات.
وأوضح أن هذا الواقع يعني أن رواتب هؤلاء الأفراد أصبحت محجوزة لسنوات طويلة لسداد الأقساط الشهرية، ولا يتبقى منها سوى القليل لتلبية احتياجات المعيشة اليومية، في وقت يشهد فيه السوق ارتفاعًا في الإيجارات بالنسبة لمن لم يتمكنوا من الاقتراض لشراء مسكن.
ولفت إلى أن ارتفاع معدلات البطالة خلال العشرين سنة الأخيرة أدى إلى خروج أعداد كبيرة من قوة العمل الأردنية من سوق العمل، وتراجع فرص الحصول على دخل مستقر، إلى جانب حجم العمالة الوافدة التي تستحوذ على نسبة كبيرة من فرص العمل وتحرم الأردنيين منها.
وبيّن أن هذه العوامل مجتمعة تضع آمال الشباب الأردني في مهب الريح، حيث ينقسمون بين من لا يجد عملاً يعيش من دخله، ومن يعمل لكن راتبه لا يكفي لتغطية متطلبات الحياة العادية، خاصة في ظل التغيرات التي طرأت على “سلة المستهلك”، مع دخول مصاريف الإنترنت والموبايل، إضافة إلى انتشار ثقافة “الاستهلاك الجامح”.
وأكد زوانة أن هذه الظروف أدت بشكل طبيعي إلى انخفاض نسب الادخار، وتراجع معدلات الزواج، وارتفاع نسب الطلاق والعزوبية والعنوسة، محذرًا من أن ذلك ينعكس بآثار اجتماعية خطيرة تشمل ارتفاع معدلات الجريمة والمخدرات وغيرها من المشكلات المجتمعية.
ودعا زوانة الأردنيين إلى تجنب اللجوء إلى الدين، مؤكدًا أن مقولة “ما عمر مديون تم شنقه” مقولة مضللة، وحث على إدارة الميزانية الشخصية بتعقل، والالتزام بالأمثال الشعبية التي تدعو إلى القناعة وضبط الإنفاق، مثل “اللي معهوش ما يلزموش” و”على قد فراشك مد رجليك”، والابتعاد عن أمراض التقليد والتفاخر وثقافة الاستهلاك المفرط.
كما أوصى الحكومة بتنفيذ برامج إسكان موجهة لذوي الدخل المحدود والمتوسط، إلى جانب إطلاق برامج نقل لطلبة المدارس الحكومية، باعتبارها برامج منخفضة التكلفة على الخزينة، وتسهم في تيسير حياة المواطنين والتخفيف من أعبائهم المالية اليومية.






