أبو نجمة: رفع سن التقاعد وزيادة الاشتراكات يؤخران استحقاق المعاش ويقلصان عدد المستفيدين
عوض: إصلاح الضمان الاجتماعي يحتاج توازن بين الاستدامة المالية والعدالة للمشتركين
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
منذ إعلان الحكومة، الأربعاء، عن أبرز ملامح مشروع قانون معدّل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026 (، توالت ردود الفعل الشعبية والبرلمانية الواسعة منتقدة ورافضة للتعديلات، واعتبرها مراقبون تعديلات من شأنها أن تحمّل المشتركين أعباء إضافية دون تصويب حقيقي للمسار المالي لمؤسسة الضمان الاجتماعي.
وأثارت قضايا أساسية في المشروع المعدّل حالة من الاستياء العام، من أبرزها رفع سن التقاعد الوجوبي للمشتركين 5 سنوات (تقاعد الشيخوخة) تدريجيًا، إلى 65 عامًا للذكور و60 عامًا للإناث اعتبارًا من مطلع العام 2028، مع رفع مدة الاشتراكات المطلوبة من 180 اشتراكًا إلى 240، واستثناء من يكمل شروط هذا التقاعد قبل نهاية 2027.
كما شكّلت قضية رفع عدد الاشتراكات المطلوبة لاستحقاق راتب التقاعد المبكّر محورًا للجدل، بعد أن أصبح يشترط 360 اشتراكًا (30 سنة عمل) بصرف النظر عن سن المؤمن عليه، فيما كان يعتمد سابقًا على العمر وعدد الاشتراكات، مع استثناء كل من يكمل شروط التقاعد المبكّر وفق القانون النافذ قبل نهاية العام 2026، إلى جانب رفع الحد الأدنى لرواتب المتقاعدين السابقين إلى 200 دينار أردني (قرابة 282 دولارًا).
واعتبرت الحكومة في تصريحات أدلى بها وزير العمل الأردني خالد البكّار، أن الهدف الأساسي من التعديلات هو استدامة المركز المالي للمؤسسة، وإبعاد نقطة التعادل الأولى من العام 2030 إلى العام 2042، وهي النقطة التي تتساوى فيها إيرادات المؤسسة مع نفقاتها.
واعتبر البكّار في تصريحات رسمية، أن التعديلات من شأنها أيضًا معالجة ملف التقاعد المبكر الذي يستحوذ على 61% من فاتورة التقاعد الشهرية للمؤسسة، وتقليص التوسع فيه وتمديد سنوات الخدمة.
اشتراط 360 اشتراكاً يجعل التقاعد المبكر شبه مستحيل
قال رئيس بيت العمال، حمادة أبو نجمة، إن التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، وفي مقدمتها رفع سن التقاعد الوجوبي تدريجياً، ورفع الحد الأدنى للاشتراكات اللازمة لاستحقاق راتب الشيخوخة من 180 إلى 240 اشتراكاً، ستقود مباشرة إلى نتيجتين واضحتين، تتمثلان في تأخير استحقاق المعاش لفئات واسعة من المؤمن عليهم، وتقليص نسبة من سيتمكنون فعلياً من الوصول إلى معاش تقاعدي دوري.
وأوضح أبو نجمة خلال حديثه لـ”صدى الشعب” أن هذه الإجراءات قد تُحسن المؤشرات الاكتوارية على الورق من خلال تأخير صرف المنافع وإطالة مدد الاشتراك، غير أنها في المقابل تنقل عبء الاستدامة إلى المؤمن عليهم أنفسهم، عبر سنوات إضافية من العمل أو الانتظار أو دفع الاشتراكات، دون وجود ضمان واقعي بأن سوق العمل قادر على إبقاء الأفراد في وظائف مستقرة حتى بلوغ السن الجديدة أو استكمال الاشتراكات المطلوبة.
تقليص التقاعد المبكر يحوّل الخروج من العمل إلى بطالة طويلة الأمد
وأضاف أن اشتراط 360 اشتراكاً فعلياً للتقاعد المبكر سيحوّل هذا الخيار إلى تقاعد متأخر أو شبه مستحيل، مبيناً أن ثلاثين سنة اشتراك فعلي متصل أو شبه متصل في ظل تبدل الوظائف، والخروج المتكرر من الشمول، وتوسع العمل غير المنظم، يعد أمراً بالغ الصعوبة.
وأكد أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في تضييق فرصة التقاعد المبكر، بل في تجاهل الأسباب الحقيقية التي تدفع الناس إليه، وعلى وجه الخصوص سياسات إنهاء الخدمة المبكر في القطاعين العام والخاص، والضعف التشريعي والإداري في حماية الاستقرار الوظيفي.
وأشار إلى أن استمرار هذه السياسات سيجعل تقليص التقاعد المبكر غير قادر على الحد من حالات الخروج المبكر من سوق العمل، بل سيحوّلها إلى بطالة طويلة الأمد أو عمل غير منظم بلا حماية، بما يخلق فجوة حماية جديدة تتحمل كلفتها الاجتماعية والاقتصادية الدولة والمجتمع.
وقال إن المشروع يبدو وكأنه يسلك المسار الأسهل تشريعياً من خلال تعديل شروط الاستحقاق وتقليص المنافع وتأخيرها، بدلاً من تفعيل مسارات إصلاحية أصعب لكنها أكثر عدالة وأقل مساساً بجودة الحمايات.
تشديد الشروط بدلاً من معالجة الخلل في الإيرادات
وبيّن أن التوازن الحقيقي لا يبدأ من التشدد في الشروط المفروضة على المشتركين، بل من معالجة منابع الخلل في الإيرادات والامتثال، مؤكداً أن اتساع التهرب التأميني وتراكم المديونيات الكبيرة على المنشآت والمؤسسات يفرضان أولوية إصلاحية لمعالجة هذه الاختلالات بشكل حاسم وشفاف، بدلاً من تحميل الملتزمين مزيداً من القيود.
وحذّر من الأثر الخطير لهذه التعديلات على المؤمن عليهم اختيارياً، موضحاً أن المؤمن عليه اختيارياً لا يدفع حصة العامل فقط، بل يتحمل عملياً كلفة مزدوجة تقارب حصة العامل وحصة صاحب العمل، باعتباره يدفع وحده اشتراكاً صُمم أساساً لعلاقة عمل ثنائية.
وأكد أن إلزام هذه الفئة بالاستمرار في الدفع لسنوات إضافية نتيجة رفع سن التقاعد أو عدد الاشتراكات يجعل المعادلة غير منصفة وغير عقلانية بالنسبة لكثيرين، لا سيما أن قيمة ما قد يُدفع خلال سنوات الانتظار الإضافية قد تتجاوز ما سيُسترد فعلياً خلال مدة تقاعد قصيرة نسبياً، خصوصاً لمن يقتربون من السن القانونية أو تتراجع قدرتهم على الاستمرار بالدفع، الأمر الذي قد يؤدي إلى عزوف شريحة من المؤمن عليهم اختيارياً عن الاستمرار في النظام أو انتقالهم إلى أدوات بديلة خارجه، بما يعني تآكلاً في قاعدة الاشتراكات بدلاً من توسيعها.
وأضاف أن هذه الإشكالية تتفاقم مع رفع الاشتراكات المطلوبة للشيخوخة إلى 240، وتشديد التقاعد المبكر إلى 360، في ظل توسع محتمل في تقاضي تعويض الدفعة الواحدة، الذي هو تعويض غير عادل يفقد المشترك الجزء الأكبر من حقوقه التأمينية.
وأوضح أن ارتفاع سقف الشروط يزيد من أعداد الذين سيغادرون النظام قبل الوصول إلى الراتب التقاعدي، لينتهوا إلى مبلغ مقطوع لا يوفر حماية طويلة الأمد من الفقر في الشيخوخة، وهو ما يحوّل الضمان من فلسفة الحماية إلى تسوية مالية مقطوعة يغلب عليها الغبن الواضح بحق المشتركين.
استثناء العامل من سنة اشتراك يهدد حقه التقاعدي
وتطرق أبو نجمة إلى وجود توجهات تُفهم كإعفاءات أو تسويات على حساب حقوق المؤمن عليهم وموارد المؤسسة، لافتاً إلى أن السماح للمنشأة بالشمول من تاريخ تقديم الطلب فقط، دون الاعتداد بتاريخ مباشرتها العمل أو محاسبتها عن الفترات السابقة المخالفة التي تستوجب الغرامة، يعني عملياً مكافأة عدم الالتزام وإهداراً لموارد الضمان، فضلاً عن كونه ظلماً مباشراً للعامل الذي يفقد حقه في احتساب سنوات عمله السابقة، وهو ما يضرب أساس العدالة التأمينية ويخلق سابقة تشريعية تشجع أصحاب العمل على التأخير ثم التصويب المجاني.
وبيّن أن المنطق ذاته ينطبق على النص الذي يسمح لبعض المنشآت بعدم شمول عامليها بتأمين الشيخوخة لمدة سنة، موضحاً أن سنة واحدة في حياة المؤمن عليه ليست مدة قليلة، وقد تشكل الفارق بين استكمال شرط الاستحقاق أو السقوط إلى تعويض الدفعة الواحدة أو تأخير التقاعد، مؤكداً أن تشجيع المنشآت الصغيرة على الامتثال لا يكون عبر حرمان العامل من سنة اشتراك، بل من خلال أدوات دعم أو تحفيز مالي دون المساس بحقوقه التأمينية.
وحول إنفاق أموال الضمان على مجالات غير تأمينية أو شبه تأمينية، قال أن الوقاية من حيث المبدأ تقلل الإصابات وتدعم استدامة تأمين إصابات العمل، غير أن المنطق القانوني والمالي يقتضي توجيه أموال التأمينات حصراً لتحقيق الغايات التأمينية المباشرة وبأضيق الحدود، محذراً من أن تتحول هذه الأموال إلى بديل عن التزامات الدولة وأجهزتها الرقابية، لا سيما أن السلامة والصحة المهنية واجب أصيل لوزارة العمل وأجهزة التفتيش والجهات التنظيمية.
وأضاف أن تمويل هذه البرامج من أموال المؤمن عليهم يفتح الباب أمام توسع الإنفاق غير التأميني تحت عناوين فضفاضة، ويؤسس لفكرة أن صندوق الضمان هو الممول الاحتياطي لكل فجوة حكومية، بما يتعارض مع فلسفة تحصين الأموال التأمينية ويزيد الحساسية المجتمعية تجاه إدارة الموارد.
المشروع لا بد أن يُعاد ضبطه على قاعدة واضحة
وأكد أن أي إصلاح حقيقي لهذا المشروع لا بد أن يُعاد ضبطه على قاعدة واضحة تتمثل في حماية الحقوق أولاً، ثم تحقيق الاستدامة عبر معالجة مصادر الخلل في الإيرادات والامتثال، لا عبر تقليص جودة الحماية أو تأجيلها، مشدداً على أن الضمان الاجتماعي يمثل عقد ثقة طويل الأمد بين الدولة والمجتمع، وأن أي إصلاح لا يعزز هذه الثقة سيبقى ناقصاً مهما حسّنت المؤشرات على الورق.
وأشار إلى أن الاستدامة الحقيقية تبدأ من توسيع قاعدة المشتركين بصورة فعلية ومنتظمة، لا من تضييق منافذ الاستحقاق، وهو ما يتطلب خطة واضحة لتوسعة الشمول في القطاعات التي لا تزال خارج المظلة، ولا سيما القطاع غير المنظم، إضافة إلى رفع نسبة شمول العمالة الوافدة التي تمثل مصدراً مهماً للإيرادات، إلى جانب معالجة جادة لظاهرة التهرب التأميني عبر تكامل قواعد البيانات وتعزيز أدوات التفتيش وتسريع التحصيل وربط الامتثال الضريبي بالتأميني، بما يضمن دفع الاشتراكات على أساس الأجر الحقيقي لا الاسمي.
وأكد على أن المديونية المتراكمة لصالح المؤسسة يجب أن تتحول إلى أولوية إصلاحية، نظراً لأن استعادة جزء معتبر منها كفيل بتحسين التدفقات النقدية دون المساس بشروط استحقاق المؤمن عليهم الملتزمين، لافتاً إلى أن ضبط التقاعد المبكر لا يتحقق فقط عبر تشديد شروطه، بل من خلال وقف أدوات إنهاء الخدمات التي تدفع العاملين قسراً نحو الخروج المبكر من سوق العمل، وإعادة النظر في السياسات والإجراءات التي تسمح بإنهاء الخدمة في القطاعين العام والخاص دون ضوابط كافية، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من الإصلاح التأميني الشامل.
التدرج في تطبيق التقاعد والشمول التأميني أساس أي إصلاح ناجح
من جانبه قل مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية، أحمد عوض، إن تجاوز الصدمة التشريعية لمقترحات تعديلات قانون الضمان الاجتماعي يتطلب تصميم أي تغييرات على نظام التقاعد ضمن حزمة إصلاح متكاملة، توازن بين الاستدامة المالية للمؤسسة والعدالة الاجتماعية، وألا تتحمل كلفة الإصلاح على العاملين وحدهم.
وأوضح عوض خلال حديثه لـ”صدى الشعب” أن المشكلة ليست في مبدأ رفع سن تقاعد الشيخوخة أو زيادة عدد الاشتراكات المطلوبة للتقاعد المبكر بحد ذاتهما، مشيراً إلى أن هذين الإجراءين أدوات مبررة اكتوارياً لتعزيز استدامة مؤسسة الضمان الاجتماعي، شرط أن يتم تطبيقهما بطريقة مدروسة وعادلة.
وأشار إلى أن ما يقصده بالصدمة التشريعية هو إدخال تغييرات قانونية مفاجئة وواسعة الأثر على فئات قائمة من المشتركين دون أي تدرّج أو ضمانات انتقالية، مما يضر الحقوق المكتسبة لغالبية المشتركين، ويعطل خططهم المستقبلية، ويضعف الثقة العامة في منظومة الضمان الاجتماعي، التي تعد واحدة من أهم منجزات الدولة الأردنية.
واقترح عوض تطبيق رفع سن تقاعد الشيخوخة وزيادة عدد الاشتراكات اللازمة لاستحقاق التقاعد المبكر بطريقة تدريجية ومنصفة، بحيث تطبق على المشتركين الجدد أو الذين لا تتجاوز اشتراكاتهم 120 اشتراكاً فعلياً (أي ما يعادل عشر سنوات)، لتجنب الإضرار المباشر بشرائح واسعة من المؤمن عليهم.
وبين أن نجاح هذه السياسة يتطلب إصلاحات موازية في سياسات سوق العمل، وعلى رأسها رفع الأجور المنخفضة بشكل تدريجي ومتوازي مع تطبيق إصلاحات الضمان الاجتماعي، بما يعزز الجدوى الاقتصادية للاستمرار في العمل.
كما دعا إلى تطوير سياسات تضمن عدم الإضرار بمصالح العاملين الذين قد يفقدون وظائفهم وهم في سن حرجة قبيل استحقاق التقاعد.
وأضاف عوض أن على الحكومة إعلان أدوات واضحة لتوسيع الشمول التأميني، باعتباره حجر الزاوية لأي إصلاح ناجح، خاصة أن 54% من العاملين في الأردن غير مشتركين في مظلة الضمان الاجتماعي.
وأوضح أن توسيع الشمول يشمل أنظمة مرنة ومبسطة للعاملين غير المنظمين، والعاملين لحسابهم الخاص، والأعمال الحرة والموسمية، والمنصات الرقمية، مع توفير دعم حكومي للاشتراكات للفئات الهشة منهم، لضمان شمول أكبر وعدالة اجتماعية مستدامة.






