سعيسعة: التراث ليس ماضيًا صامتاً… بل مورد حيّ يقود التنمية السياحية
صدى الشعب-أسيل جمال الطراونة
أكدت الدكتورة ربا أسامة سعيسعة، أستاذ مشارك في إدارة المواقع التراثية والحفاظ عليها، ورئيس قسم إدارة المصادر التراثية وصيانتها في كلية الآثار والسياحة بالجامعة الأردنية، أن السياحة الثقافية والتراثية تمثل اليوم أحد أهم المسارات التنموية التي تجمع بين حماية الهوية الوطنية وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة، مشددةً على ضرورة إدارتها وفق أسس علمية توازن بين الاستثمار والحفاظ على أصالة المواقع.
وأوضحت سعيسعة أن السياحة الثقافية والتراثية هي نمط سياحي يقوم على زيارة المواقع والمعالم التي تعبّر عن الهوية التاريخية والحضارية للمجتمعات، سواء تمثلت في مواقع أثرية، مدن تاريخية، متاحف، مبانٍ تراثية، أو حتى ممارسات ثقافية غير مادية كالحرف التقليدية والطقوس الشعبية.
وبيّنت أن هذا النوع من السياحة لا يقتصر على المشاهدة، بل يقوم على تجربة معرفية تفاعلية تمكّن الزائر من فهم السياق التاريخي والاجتماعي للمكان، لافتةً إلى أن الأدبيات الدولية في إدارة التراث تؤكد أن السياحة التراثية تمثل تقاطعًا بين صون القيم الثقافية وتحقيق عوائد اقتصادية، شريطة أن تُدار وفق مبادئ الاستدامة واحترام أصالة الموقع.
تعزيز الهوية الوطنية وإحياء الوعي الجمعي
وفيما يتعلق بدور السياحة الثقافية في تعزيز الهوية الوطنية، أشارت سعيسعة إلى أنها تسهم في إعادة تقديم السردية التاريخية للمجتمع بصورة علمية ومفتوحة للجمهور، ما يعزز شعور الانتماء والفخر بالموروث الحضاري.
وأضافت أن إبراز التنوع الثقافي داخل الدولة الواحدة يرسّخ مفهوم التعددية ضمن إطار الهوية الجامعة، مؤكدةً أن تفاعل المواطن مع هذه المواقع يحوّلها من مجرد “أثر” صامت إلى عنصر حيّ في الوعي الجمعي، الأمر الذي يعمّق العلاقة بين المجتمع وتراثه ويعزز استدامته.
مورد اقتصادي للحفاظ على التراث
وبيّنت سعيسعة أن السياحة التراثية تُعد أداة مهمة للحفاظ على التراث، لأنها توفّر موردًا اقتصاديًا مباشرًا يمكن توظيفه في أعمال الصيانة والترميم والإدارة المستدامة للمواقع.
وأضافت أن التراث الذي لا يُستخدم غالبًا ما يُهمل، بينما يتحول عند دمجه ضمن منظومة سياحية مدروسة إلى مورد منتج يبرر تخصيص الموازنات للحفاظ عليه، محذّرةً في الوقت ذاته من أن غياب التخطيط الدقيق قد يحوّل السياحة إلى عامل ضغط يؤدي إلى التدهور بدل الحماية.
تطوير دون مساس بالأصالة
وأكدت أن تطوير المواقع التراثية دون التأثير على قيمتها التاريخية يتحقق عبر الالتزام بعدة مبادئ أساسية، أبرزها احترام أصالة الموقع وسلامته، وتطبيق خطط إدارة تحدد القدرة الاستيعابية، واستخدام تقنيات عرض حديثة غير تدخلية كالإرشاد الرقمي والواقع المعزز بدل التدخلات الإنشائية الثقيلة، إضافة إلى إشراك المجتمع المحلي في عملية التطوير.
وشددت على أن التطوير الناجح هو الذي يضيف طبقة تفسيرية للموقع دون المساس بجوهره المادي أو رمزيته التاريخية.
تحديات بين “التسليع” وضعف التنسيق
وعن أبرز التحديات في دمج التراث الثقافي بالبرامج السياحية الحديثة، أوضحت سعيسعة أن من بينها خطر “تسليع” التراث وتحويله إلى منتج استهلاكي يفقد معناه الثقافي، إضافة إلى ضعف التنسيق بين الجهات الثقافية والسياحية، ومحدودية التمويل المتخصص في أعمال الصيانة الدورية، ونقص الكوادر المؤهلة في إدارة التراث والسياحة معًا.
وأكدت أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن دقيق بين الجاذبية السياحية والحفاظ على القيم التاريخية غير القابلة للتعويض.
الفعاليات الثقافية… تنشيط مشروط بالضوابط
وأشارت سعيسعة إلى أن الفعاليات الثقافية والمهرجانات تلعب دورًا محوريًا في إعادة تنشيط المواقع التراثية وإضفاء بعد ديناميكي عليها، إذ تتحول المواقع من فضاءات صامتة إلى منصات حية للتفاعل الثقافي
وضربت مثالًا بـ Jerash Festival الذي يُعد نموذجًا لربط الفضاء الأثري ببرامج ثقافية معاصرة، ما يعزز الحضور السياحي ويخلق حركة اقتصادية في المنطقة المحيطة، مؤكدةً في الوقت ذاته أن نجاح هذه الفعاليات يتطلب ضوابط تنظيمية صارمة تضمن عدم الإضرار بالبنية الأثرية.
نماذج أردنية ناجحة
وأكدت وجود أمثلة ناجحة لمشاريع سياحة تراثية أسهمت في تنشيط الاقتصاد المحلي، مشيرةً إلى أن تطوير تجربة الزائر في Petra خلق فرص عمل واسعة للمجتمع المحلي، خاصة في مجالات الإرشاد والحرف التقليدية والخدمات السياحية.
كما لفتت إلى أن إدراج مدينة As-Salt على قائمة التراث العالمي شكّل حافزًا لإعادة تأهيل المباني التراثية وتحفيز الاستثمار المحلي في بيوت الضيافة والمشاريع الصغيرة، ما يؤكد أن الإدارة الرشيدة للسياحة التراثية يمكن أن تكون رافعة اقتصادية حقيقية.
مستقبل السياحة الثقافية… نحو التجربة الأصيلة
وختمت سعيسعة حديثها بالتأكيد على أن مستقبل السياحة الثقافية يتجه نحو التحول الرقمي في تفسير المواقع عبر الجولات الافتراضية وتقنيات الواقع المعزز، وتطوير مسارات سياحية متكاملة تربط عدة مواقع ضمن قصة تاريخية واحدة، إلى جانب الاستثمار في التراث غير المادي كالحرف والمأكولات التقليدية، وتعزيز الشراكات بين الجامعات والقطاع السياحي لإنتاج محتوى علمي مبسط للزوار.
وأشارت إلى أن السياحة التجريبية أصبحت الخيار المفضل للسائح الباحث عن تجربة أصيلة ذات معنى، مؤكدةً أن الدور الأكاديمي يكمن في توجيه هذا التحول نحو نماذج تنموية تحافظ على التراث وتفعّل دوره في التنمية المستدامة.






