صدى الشعب _كتب :طارق زياد الشطناوي
في اقتصاد يبدو للوهلة الأولى محملا بالمتناقضات، يقف الأردن أمام معضلة عصرية: كيف يكون النمو الاقتصادي رقميا حاضرا، بينما فرص التشغيل غائبة؟، لنجد الاردن في ظل الظروف المحيطة به من فتيل مشتعل وتداعيات ازمات متتالية ارقهت الكاهل الاقتصادي اضافة الى المناخ الجيوسياسي المتقلب مما ارهق الكاهل الاقتصادي عدا عن ذلك بعض التشريعات التي تحتاج الى ترشيق وحلول ابتكارية واكثر انسجاما مع الميزاة النسبية لكل محافظة وربطها بحلول اقتصادية تعمل على الحد من نسب البطالة وايجاد حلولا تنموية، لتكون انطلاقة واضحه لحلول انتعاش اقتصادي وقفزة في انخفاض نسب البطاله حيث وحسب تقرير التقديرات السكانية للمملكه (دائرة الاحصاءات العامه، 2023) بلغ عدد سكان الاردن حوالي 11 مليون نسمة في حين بلغت نسبة الذكور 52.2% ةالاناث 47،8%، كما اظهر تقرير الفقر المتعدد الابعاد (دائرة الاحصاءات العامه، 2023) بان نسبة الفقر بالاردن 15،7% وبحسب تقرير مسح القوى العامة للربع الرابع 2024 (دائرة الاحصاءات العامة، 2024) بلغت 21.4% في حين بلغت نسبة البطاله للذكور 17.6% ونسبة الاناث 34،1% .
بينما تشير الأرقام الرسمية إلى نمو متواضع في الناتج المحلي، لكنها في الجهة المقابلة سجلت ارتفاع بنسب البطاله والفقر، وهذه المفارقة لا تعكس فقط تحولات في هيكلية الاقتصاد العالمي، بل تكشف عن شرخ عميق بين سياسات التنمية وسوق العمل، وبين مخرجات التعليم ومتطلبات القطاع المنتج.
في هذا السياق، تبرز أسئلة ملحّة: لماذا لا يتحول النمو إلى فرص عمل؟ وأين تذهب الاستثمارات إذا لم تولد تشغيلاً؟ ولماذا تبقى محافظات مثل جرش وعجلون على هامش المعادلة رغم امتلاكها لميزات نسبية قد تُقلب الموازين؟ هذه المقالة تحاول تشريح هذه المفارقة، وتسليط الضوء على التحول من اقتصاد ريعي يعتمد على الاستهلاك والوظيفة العامة، إلى اقتصاد إنتاجي يعتمد على الابتكار والتشغيل الذاتي، مع تقديم رؤية عملية لكيفية تحويل التحديات الديموغرافية إلى فرص اقتصادية، خاصة في ظل الثورة الرقمية والتحول نحو اقتصاد اخضر
وعند التمعن بالواقع الاقتصادي في الاردن وتحليل أبرز التحديات التي تؤثر على الواقع الاقتصادي وتقلل فرص التشغيل في الأردن نجد بانه يتم تبويبها في الحقول التالية:
تحديات داخلية وتتضمن ضعف الإنتاجية والتنافسية والتي يعود سببها الى انخفاض انتاجية العامل الاردني مقارنة بتكلفة توظيفه (الاجور)، اضافة الى ضعف الابتكار واعتماد الاقتصاد على الأنشطة التقليدية (تجارة، عقارات، خدمات) ذات القيمة المضافة المنخفضة، كما تتضمن فجوة المهارات من خلال عدم توافق مخرجات التعليم مع احتياجات السوق (خريجون في التخصصات النظرية مقابل حاجة سوق العمل للمهن التقنية والرقمية، وضعف برامج التدريب المهني والتلمذة الصناعية وعلاوة على ذلك ارتفاع تكاليف التشغيل التي ترهق اصحاب العمل كأسعار الطاقة المرتفعة (الكهرباء، الوقود) والتي بدورها تؤثر على القطاع الصناعي والزراعي، الأعباء الضريبية والتأمينية على الشركات وغيرها الكثير.
تحديات خارجية والتي ترمي بظلالها على الاقتصاد الوطني والتي تتضمن تبعات الأزمات الإقليمية واثرها على الصادرات بسبب إغلاق الأسواق الاقليمية والدولية بشكل متقطع، وتراجع الاستثمارات الخليجية والعربية بسبب الظروف السياسية، تكاليف استضافة اللاجئين والتي ادت الى ضغط على البنية التحتية، الخدمات، سوق العمل، اضافة الى التبعات الاقتصادية العالمية والتي ساهمت بارتفاع أسعار السلع الأساسية (القمح، النفط، المواد الخام) وعلاوة على ذلك تباطؤ النمو العالمي والذي يؤثر على الاستثمارات الأجنبية المباشرة وعلاوة على ذلك منافسة الدول المجاورة (مصر، وتركيا) التي تقدم حوافز استثمارية أكبر.
تحديات مؤسسية وتنظيمية والتي تتضمن بيئة الأعمال المعقدة والتي تمثلت بالبيروقراطية والإجراءات الطويلة لبدء النشاط الاقتصادي، ضعف حماية المستثمر وتباطؤ القضاء التجاري، وتعقيد القوانين والأنظمة وخاصة قانون العمل والضرائب، اضافة الى محدودية الوصول للتمويل وارتفاع أسعار الفائدة على القروض، وتشدد البنوك في منح القروض للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وعلاوة ع ذلك غياب آليات تمويل مبتكرة (التمويل الجماعي، حاضنات التمويل).
تحديات جغرافية وسوقية وتضمنت المركزية الاقتصادية حيث يظهر تركيز النشاط الاقتصادي في عمان وإربد بينما المحافظات تشهد ضعفا بالبنية التحتية في المحافظات (طرق، اتصالات، مناطق صناعية)، اضافة الى صغر السوق المحلي فعدد السكان محدود (11 مليون) لا يسمح باقتصادات الحجم الكبير، ضعف القوة الشرائية للمواطن الأردني، واعتماد كبير على الاستيراد على حساب الصناعة المحلية.
تحديات تكنولوجية ومستقبلية والتي تظهر فجوة الرقمنة من خلال تباطؤ التحول الرقمي في القطاعين العام والخاص، ضعف البنية التحتية الرقمية خارج العاصمة ونقص المهارات الرقمية لدى القوى العاملة، اضافة الى التهديدات المستقبلية والتي تتمثل بأتمتة الوظائف (الروبوتات، الذكاء الاصطناعي) والتي تهدد الوظائف المتوسطة، منافسة العمالة عن بعد عبر المنصات العالمية وعدم استعداد الاقتصاد للثورة الصناعية الرابعة.
تحديات اجتماعية وثقافية متضمنه الثقافة الوظيفية التقليدية، التعلق بالوظيفة الحكومية كخيار أول، الوصمة الاجتماعية للعمل في المهن الحرفية واليدوية وثقافة الخوف من المخاطرة وريادة الأعمال، اضافة الى تدني مشاركة المرأة بسبب المعوقات الاجتماعية (المواصلات، ساعات العمل، التنمر)، ضعف التمثيل في المناصب القيادية والتمييز في الأجور في بعض القطاعات.
وعند النظر الى المحافظات الاكثر احتياجا لتنمية شمولية من ضمنها تحسين الواقع الاقتصادي فيها كمحافظة جرش على سبيل المثال نجد ان التحديات السابق ذكرها تؤثر على فرص التشغيل واهمها المركزية مع وجود معظم الاستثمارات في العاصمة اثرت الى هجرة الكفاءات والشباب للبحث عن فرص مما سبب ضغطا ملموسا في العاصمة عمان، ضعف البنية التحتيه مما اضهر غياب مناطق صناعيىه وخدمات لوجستيه ضعيفه مما ادى الى عزوف المستثمرين عن إنشاء مشاريع كبيرة، الاعتماد على قطاع واحد والذي اوضح الاعتماد شبه الكامل على السياحة الموسمية (مهرجان جرش) بظل غياب النظرة المنصفة للمحافظه بانها زراعية وبيئية بامتياز مما ادى الى وجود بطالة موسمية وفرص غير مستقره، اضافة الى فجوة المهارات والتي اوضحت بوجود فجوة واضحه بين خريجون من تخصصات لا تتناسب مع احتياجات السياحة والتراث مما ياتي اثرها ببطالة الخرجين رغم وجود فرص سياحية وزراعية وبيئيه ولكن تحتاج الى صياغة تنموية.
ولمواجهة تحدي البطالة الذي بلغ 21.4%، يبرز التوسع في ريادة الأعمال كحل استراتيجي، خاصة أنها لا تزال فكرة في طور النضج في الأردن، ورغم أن النماذج الحالية قيد التطوير، إلا أن بعضها حقق تقدما ملحوظا رغم التحديات، مما يجعله بوابة أمل حقيقية نحو التشغيل الذاتي، وتمثل ريادة الأعمال نقطة تحول لتجاوز العقبات الهيكلية، شريطة وضع خطة مستدامة مدعومة بتشريعات مرنة، وإرادة سياسية جريئة، ودور فاعل للمؤسسات الوطنية وغير الربحية في نشر الوعي وتشجيع الشباب والنساء على تبني مشاريع صغيرة قابلة للتطور.
وهنا يأتي الاشاده بالدور المحوري لمساعي جلالة الملك عبد الثاني ابن الحسين في الحث على تهيئة الفرص الخلاقة لبناء اقتصاد وطني متين اضافة الى جذب المستثمرين لاقامة مشاريع مبتكرة ودور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني في دعم التوجه المهني والتقني، مما يعزز الحاجة إلى تضافر جهود القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني لتحويل الباحث عن عمل إلى صاحب عمل، عبر خطط تنموية تدعم المشاريع الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة.
وهنا لابد من التاكيد على ان ريادة الأعمال لا تزدهر في بيئة تشريعية معقدة، بل تزدهر في تبسيط إجراءات التراخيص، وتقليص وقت تسجيل الشركات الناشئة، وإصدار قانون خاص يدعم انشاء الشركات بتكاليف رمزية، كلها خطوات محورية، كما أن إنشاء منصة رقمية موحدة لخدمات ريادة الأعمال يمكن لها أن تقلل الوقت والتكلفة، العمل الجاد لإدخال مادة الثقافة المالية والريادة في المدارس والجامعات لتهيئة الاجيال القادمه.
كما ان التمويل الذكي والمتابعة تؤكد بان التمويل ليس مجرد قرض، بل هو حزمة متكاملة تشمل فئات ثلاث وهي تمويل اولي من خلال صندوق وطني يديره مستثمرون محترفون لتمويل خاص لمشاريع جرش، بشروط ميسرة جدا للشباب والنساء في المحافظة، قروض ميسرة مرتبطة بمراحل تطور المشروع، مع فترات سماح تصل إلى سنة للمشاريع السياحية والزراعية ذات الدورة الاقتصادية البطيئة، وحاضنات أعمال متخصصة تقدم الإرشاد والمتابعة الفنية والإدارية، وليس فقط التمويل، لضمان استمرارية المشروع ونموه وان تكون مناطه بمؤسسة وطنية واحده ذات اختصاص ونهج شمولي.
وعلى سبيل المثال محافظة جرش (بناء على توجيهات جلالة الملك)، نقل جرش من النموذج النظري إلى التطبيق العملي، فمحافظة جرش تتمتع بثلاث ركائز ذهبية (السياحة، البيئة، الزراعة) كما أشار جلالة الملك لتحويلها إلى فرص تشغيل فعلية، وهما نجد من المهم وجود حاضنة أعمال حقيقيه وكبيره بجرش متخصصة بالريادة السياحية، الاقتصاد الأخضر، التصنيع الغذائي، مهامها تقديم خدمات الإرشاد في إعداد دراسة الجدوى السياحية، التسويق الرقمي، تعزيز التوجه للمشاريع ذات العلاقة بالميزة النسبيه مثالها سياحة المغامره والسياحة البيئيه، الاقتصاد الدائري (مشاريع إعادة تدوير وإنتاج منتجات صديقة للبيئة)، الزراعة الذكية تعاونيات سيدات لزراعة الأعشاب العطرية وتصنيعها (زيوت، شموع، مستحضرات تجميل طبيعية) وتسويقها للسياح والتصدير.
كما يتجلى دور المؤسسات المجتمع المدني والتي تمثل ذراع تنموي للدوله من خلال تأهيل العقلية الريادية والتي تشكل تحدي اكثر من التمويل بركائز رئيسية وهي تهيئة المناخ للمجتمعات في الانتقال الى ريادة الاعمال كحل واضح للحد من نسب البطاله، بناء برامج تدريبية عملية (ليست نظريه فقط) على كتابة نموذج الاعمال، والتسويق الإلكتروني، وإدارة التدفق النقدي، اضافة الى تسليط الضوء على قصص نجاحات محلية من رواد أعمال أردنيين بدأوا من الصفر في محافظاتهم.
وعلاوة على ذلك ابراز دور القطاع الخاص كشريك وليس كمنافس حيث يمكن للشركات الكبيرة أن تدعم المشاريع الناشئة عبر تبني مشاريع ريادية في المحافظات وفتح منافذ توزيع لمنتجاتها داخل مراكزها التجارية، والمساهمه بتقديم برامج الإرشاد وعكس تجاربهم وخبراتهم على تطوير المشاريع الرياديه.
بهذه الرؤية المتكاملة التي تجمع بين الإرادة السياسية، التشريعات المحفزة، التمويل الذكي، والتركيز على الميزة النسبة يمكن لريادة الأعمال أن تتحول من فكرة واعدة إلى محرك رئيسي للتشغيل وستكون المحافظات البعيدة عن العاصمة نموذجا حاً يثبت أن الحلول ليست في المركز وحده، بل في تمكين الهامش وتحويل ثرواته الطبيعية والثقافية إلى رأس مال اقتصادي واجتماعي، مما يسهم في تحقيق التعافي الاقتصادي المنشود والحد من البطالة بشكل مستدام.






