صدى الشعب- كتب د. درويش بدران
في زمن تتسارع فيه المعرفة وتتضاعف فيه مصادر المعلومات، لم يعد تطوير البنية المعرفية خيارًا ثانويًا، بل أصبح ركيزة أساسية من ركائز السيادة العلمية والتنمية المستدامة. ومن هذا المنطلق تبرز فكرة إنشاء مكتبة إلكترونية وطنية أردنية تشترك فيها الجامعات الرسمية والخاصة، ومراكز الأبحاث، والمستشفيات، بوصفها مشروعًا وطنيًا جامعًا يعزز الوصول إلى المعرفة، ويرفع كفاءة الإنفاق، ويخدم التعليم والبحث والصحة في آن واحد، دون أن يلغي أو ينتقص من الدور الحيوي للمكتبات الورقية والأرشيفات المؤسسية الخاصة بكل جهة.
إن المكتبة الإلكترونية الوطنية لا تُطرح بديلاً عن المكتبات التقليدية، بل مكمّلاً لها ومُعززًا لدورها. فالمكتبة الورقية ستظل الوعاء الطبيعي للكتب التراثية والمراجع الأساسية والمخطوطات والأرشيفات التاريخية، وستبقى المساحة الثقافية الحاضنة للتفاعل الأكاديمي والقراءة المتأنية وحفظ الذاكرة المؤسسية. أما المكتبة الإلكترونية الوطنية فهي البوابة الحديثة للوصول السريع والمنظم إلى قواعد البيانات العالمية والإقليمية، والمجلات المحكمة، والكتب الإلكترونية، والأدلة الإكلينيكية، بما يواكب طبيعة البحث والتعليم المعاصر القائم على السرعة والدقة وتحديث المعلومة المستمر.
وتزداد أهمية هذه القواعد اليوم باعتبارها ضرورة حتمية لاعتماد كثير من التخصصات النظرية والتطبيقية، إذ لم تعد هيئات الاعتماد الأكاديمي والمهني تنظر إلى المكتبات كمخازن كتب فحسب، بل كمنصات معرفية متكاملة تتيح للطلبة وأعضاء هيئة التدريس الوصول المنتظم إلى مصادر حديثة ومحكّمة، وتوفر أدوات البحث والاستشهاد والتحليل، وتدعم التعليم المبني على الدليل والممارسة المهنية الرصينة. وفي غياب مثل هذه القواعد، تتعرض برامج أكاديمية عديدة لخطر ضعف الاعتماد أو محدودية الاعتراف، مهما بلغت جودة مناهجها أو كفاءة كوادرها.
وتقوم الفكرة على شراكة وطنية عادلة، تسهم فيها كل جامعة وكل مركز بحثي وكل مستشفى بنسبة تتناسب مع حجمها وعدد طلبتها وباحثيها ونشاطها العلمي، على أن يحظى المشروع بدعم من صندوق دعم البحث العلمي والابتكار، وبمساهمات من قطاعات اقتصادية ومجتمعية تؤمن بأن الاستثمار في المعرفة هو استثمار في مستقبل الوطن، ولا سيما البنوك، وشركات الأدوية، وشركات الاتصالات، والمصانع الكبرى، وغيرها من المؤسسات التي ترتبط مصالحها مباشرة بتطوير التعليم والبحث والابتكار، ويمكن أن تشكّل شريكًا فاعلًا ضمن مسؤوليتها المجتمعية ورؤيتها التنموية بعيدة المدى.
ويتيح هذا النموذج تقليل الكلف الباهظة للاشتراكات الفردية، وتوحيد التفاوض باسم الدولة، وتحقيق عدالة حقيقية في وصول الطلبة والباحثين إلى مصادر علمية عالية الجودة، بغض النظر عن اختلاف إمكانات مؤسساتهم.
وتمثل هذه المكتبة منصة وطنية موحدة، ترتبط فيها الجامعات والمستشفيات ومراكز الأبحاث عبر نظام دخول موحد، وبوابة بحث متقدمة، ومستودع وطني للإنتاج العلمي الأردني، يتيح حفظ الأبحاث والرسائل الجامعية والبيانات البحثية، ويعزز حضور الأردن في خارطة البحث العلمي العالمي. كما تتيح هذه المنصة للباحثين من خارج الأردن الاطلاع المنظم والمباشر على الإنتاج العلمي الأردني، الأمر الذي يفتح آفاقًا أوسع للتعاون الدولي مع الباحثين الأردنيين، ويزيد من معدلات الاستشهاد بالأبحاث الوطنية، ويعزز انتشارها وتأثيرها العلمي، وهو ما ينعكس إيجابًا على تصنيف الجامعات ومراكز البحث الأردنية، وعلى سمعة البحث العلمي في المملكة إقليميًا ودوليًا.
وقد سبقت إلى هذا النهج دول عديدة أدركت مبكرًا قيمة المنصات الوطنية الموحدة للمعرفة، ومن أبرزها جمهورية مصر العربية التي أنشأت «بنك المعرفة المصري» بوصفه مشروعًا وطنيًا شاملًا أتاح لملايين الطلبة والباحثين والمعلمين الوصول المجاني والمنظم إلى قواعد بيانات عالمية ومصادر تعليمية متقدمة، وأسهم بصورة ملموسة في رفع جودة التعليم والبحث العلمي وتعزيز حضور المؤسسات المصرية في التصنيفات الدولية. ويقدّم هذا النموذج الإقليمي الناجح دليلًا عمليًا على جدوى المشروع وإمكان تحقيقه بفعالية حين تتوافر الإرادة السياسية والشراكة المؤسسية والتمويل المستدام.
وهي في الوقت ذاته أداة استراتيجية لدعم الاعتماد الأكاديمي والبرامجي، ورفع جودة المناهج، وتحسين فرص النشر في المجلات المرموقة، وتوفير مصادر موثوقة للممارسة الطبية المبنية على الدليل.
غير أن نجاح هذا المشروع مرهون بتكامل واعٍ بين الرقمي والورقي، وبين المركزي والمؤسسي. فلكل جامعة ومركز ومكتبة حقها الطبيعي في الاحتفاظ بمكتبتها الورقية الخاصة، وبأرشيفها العلمي والإداري والتاريخي، وببصمتها الثقافية التي تعبّر عن هويتها ورسالتها. والمكتبة الوطنية الإلكترونية لا تلغي هذا التنوع، بل تحميه وتدعمه، عبر تخفيف العبء المالي عن المؤسسات، وتحرير مواردها لتطوير مكتباتها التقليدية، وصيانة مقتنياتها، وتحديث أرشيفاتها، وتوسيع خدماتها للطلبة والباحثين.
إن إنشاء مكتبة إلكترونية وطنية ليس مشروعًا تقنيًا عابرًا، بل خيارًا استراتيجيًا يعكس وعي الدولة بأهمية المعرفة في بناء الإنسان والاقتصاد والمؤسسات. وهو رسالة واضحة بأن الأردن، وهو يستثمر في التعليم والبحث والصحة، يدرك أن الوصول العادل والمنظم إلى المعلومة هو أساس الابتكار، وجوهر الجودة، وضمان الاستدامة. وبين رفوف الكتب الورقية وفضاءات المنصات الرقمية، تتشكل منظومة معرفية متكاملة تحفظ الماضي، وتخدم الحاضر، وتصنع المستقبل.






