صدى الشعب – سلمى الناطور
في الوقت الذي أحيى فيه العالم اليوم العالمي لمحاربة المجاعة بوصفها مناسبة للتذكير بحق الإنسان في الغذاء والحياة الكريمة، تبدو غزة وكأنها تعيش في الاتجاه المعاكس تمامًا لهذا المسار.
فبينما تنشغل دول العالم بمناقشة خطط الحد من الفقر وسوء التغذية وتحقيق الأمن الغذائي، ما يزال أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العالم المعاصر والذي تسبب فيها الاحتلال الاسرائيلي.
وتشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 1.6 مليون شخص، أي ما يقارب 77% من سكان القطاع، يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يواجه عشرات الآلاف من الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات مخاطر متزايدة مرتبطة بسوء التغذية.
حين لا يعود الجوع مجرد نقص في الطعام
ولا تبدو أزمة الغذاء في غزة مرتبطة فقط بعدد الوجبات اليومية أو بنوعية الطعام المتاح، بل تتجاوز ذلك إلى انهيار منظومة الحياة الأساسية التي يقوم عليها الأمن الغذائي.
فحرب الإبادة الجماعية التي شنها الاحتلال الاسرائيلي وما رافقها من دمار واسع للبنية التحتية، وتضرر الأراضي الزراعية، وقطع الاحتلال لسلاسل التوريد والإنتاج، دفعت مئات آلاف العائلات إلى الاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية كمصدر رئيسي للغذاء والتي ايضاً يقف الاحتلال بوجه دخولها للقطاع.
وتؤكد تقارير أممية أن النظام الغذائي بأكمله في القطاع تعرض لضرر بالغ خلال الأشهر الماضية، ما جعل الحصول على الغذاء مرتبطًا بتدفق المساعدات أكثر من ارتباطه بالقدرة الطبيعية للمجتمع على الإنتاج أو الشراء.
أرقام تتجاوز حدود التحذير
خلال ذروة الأزمة الغذائية، حذرت الأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي من أن غزة اقتربت من مستويات مجاعة غير مسبوقة، فيما أظهرت بيانات أممية أن أكثر من ثلث السكان كانوا يقضون أيامًا كاملة دون الحصول على طعام، وأن مئات آلاف الأشخاص عاشوا ظروفًا وُصفت بأنها شبيهة بالمجاعة.
كما سجلت معدلات سوء التغذية بين الأطفال ارتفاعات حادة، حيث أشارت تقارير دولية إلى تضاعف حالات سوء التغذية الحاد بين الأطفال خلال فترات متقاربة، وسط تحذيرات من آثار صحية طويلة الأمد قد تستمر لسنوات حتى بعد انتهاء الأزمة.
ولم تتوقف التداعيات عند الأطفال، إذ حذرت منظمات أممية من تعرض عشرات الآلاف من النساء الحوامل والمرضعات لمخاطر صحية مرتبطة بسوء التغذية، الأمر الذي يهدد جيلاً كاملًا من الفلسطينيين بتداعيات صحية ونمائية ممتدة.
الجوع والصحة… دائرة واحدة
في غزة، لا يمكن فصل أزمة الغذاء عن الأزمة الصحية، فالجسد الذي يفتقر إلى الغذاء يصبح أكثر عرضة للأمراض، فيما تتحول الأمراض البسيطة إلى تهديدات خطيرة في ظل الدمار التي قامت به قوات الاحتلال للمنشأت الطبية ونقص الأدوية وضعف الرعاية الصحية.
وتشير منظمات دولية إلى أن سوء التغذية يسهم في إضعاف المناعة، ويرفع احتمالية الإصابة بالأمراض المعدية، ويزيد من مخاطر الوفاة لدى الفئات الأكثر هشاشة، خاصة الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنين.
ويزداد هذا الواقع تعقيدًا مع استمرار الضغط على المرافق الصحية، وتراجع قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان.
من المجاعة كأزمة إنسانية إلى الجوع كوسيلة ضغط
ولا تنظر منظمات حقوقية وإنسانية إلى ما يجري في غزة باعتباره أزمة غذائية تقليدية فحسب، بل باعتباره ملفًا يرتبط مباشرة بإمكانية وصول السكان إلى الغذاء والمساعدات الأساسية.
وقد أكدت تقارير أممية متعاقبة أن أي تراجع في تدفق المساعدات أو أي قيود على إدخال المواد الغذائية من قبل الاحتلال الاسرائيلي تنعكس بشكل مباشر وسريع على مؤشرات الجوع وسوء التغذية داخل القطاع.
وتشير مراجعات صادرة عن نظام التصنيف المتكامل للأمن الغذائي إلى أن مستويات الجوع في غزة كانت ترتفع أو تتراجع تبعًا لحجم المساعدات التي يُسمح بدخولها وإمكانية توزيعها على السكان، ما يعكس هشاشة الوضع الغذائي واعتماده شبه الكامل على المساعدات الخارجية.
غزة… حيث تتراكم النكبات فوق بعضها
وفي قطاع يعيش منذ أشهر بين النزوح وفقدان المأوى وتدمير البنية التحتية وشح المياه وتراجع الخدمات الصحية، لا يبدو الجوع أزمة منفصلة عن بقية الأزمات.
فالغزي الذي يبحث عن الطعام هو ذاته الذي يبحث عن الماء والدواء والمأوى والأمان في الوقت نفسه.
ولهذا لا يتحدث كثير من الفلسطينيين في غزة عن مجاعة واحدة، بل عن سلسلة متداخلة من النكبات اليومية التي تتراكم فوق بعضها البعض، وتجعل من أبسط حقوق الإنسان معركة مستمرة للبقاء.
وفي يوم العالمي لمكافحة الجوع، تبدو غزة تذكيرًا قاسيًا بأن الجوع ليس دائمًا نتيجة نقص الغذاء فقط، بل قد يكون نتيجة انهيار منظومات الحياة بأكملها. وبين الأرقام والتحذيرات والتقارير الدولية، تبقى الحقيقة الأوضح أن مئات آلاف الفلسطينيين ما زالوا يقضون أيامهم في محاولة تأمين ما يكفي من الطعام ليوم آخر.






