العموش: إيران اليوم أمام مفترق طرق حاسم إما تتغير من الداخل أو يُفرض عليها التغيير بالقوة
أبو زيد: إسقاط النظام الإيراني يتطلب عملية عسكرية مركبة ومتعددة المراحل
الصمادي: التغيير السياسي في إيران قد يتم عبر الدبلوماسية لتفادي سيناريوهات مكلفة
صدى الشعب – راكان الخريشا
في ظل مشهد إقليمي بالغ التعقيد تتصدر إيران واجهة الأحداث مجددا، وسط تصاعد الاحتجاجات الداخلية وتنامي الحديث عن خيارات عسكرية مطروحة على طاولة القوى الدولية، أزمات متراكمة تبدأ من الاقتصاد ولا تنتهي عند السياسة، واختراقات أمنية تضرب عمق النظام، تضع طهران أمام مرحلة غير مسبوقة من الضغط الداخلي والخارجي في آنٍ واحد، وبينما تتسع فجوة الثقة بين النظام وشرائح واسعة من المجتمع الإيراني، تتزايد التساؤلات حول قدرة هذا النظام على الاستمرار بالنهج ذاته دون تقديم تنازلات جوهرية أو الدخول في مسار تغيير حقيقي.
وفي المقابل، لا يبدو المشهد الخارجي أقل توتراً، إذ تتقاطع الحسابات الأمريكية والإقليمية عند حدود النفوذ الإيراني ودوره في معادلة التوازن بالمنطقة، قراءات سياسية وعسكرية تحذر من أن أي محاولة لإسقاط النظام، في حال اتُّخذ القرار بذلك، لن تكون ضربة عابرة، بل عملية معقدة ومتعددة المراحل، تحمل تداعيات استراتيجية واقتصادية وأمنية قد تمتد إلى الإقليم بأسره، وبين خيار التغيير من الداخل أو فرضه بالقوة، تقف إيران اليوم عند مفترق طرق حاسم، قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط.
العموش: إيران تعاني من اختراقات أمنية عميقة
وفي هذا السياق قال السفير الأردني الأسبق في طهران، الدكتور بسام العموش، إن النظام الإيراني يقوم على منطق الإقصاء وفرض الصمت، عبر معادلة حادة مفادها «إما أن تكون معي أو ضدي» في ظل غياب أي تعددية حقيقية، رغم أن المجتمع الإيراني متنوع دينيًا ومذهبيًا وعرقيًا، ويضم مكونات سنية وشيعية ويهودية ومسيحية ودرزية، إضافة إلى أكراد وبلوش وعرب، مؤكدًا أن هذه المكونات مجتمعة لا تشعر بأن النظام القائم يمثلها أو يعكس تطلعاتها.
وأوضح العموش أن النظام يفرض أعباء مالية ثقيلة على المواطنين، من خلال ما يُعرف بالخُمس وغيره من أشكال الجباية، ليغدو نظامًا ضريبيًا بامتياز دون أن يقابل ذلك بتقديم خدمات حقيقية، في وقت تُقمع فيه الحريات بشكل ممنهج، ما يجعل الاحتجاجات مستمرة ومتجددة، وبيّن أن أسلوب التعامل الأمني العنيف ليس طارئًا، بل متجذر منذ سنوات طويلة، ويتجلى في الإعدامات والسجون المكتظة وحالات التهجير الواسعة خارج البلاد.
وأشار العموش إلى أن النظام الذي لا يستمد شرعيته من شعبه، بطبيعة الحال، يصنع خصومات داخلية وخارجية، وتتفاقم أزمته مع سوء علاقاته الدولية، ولفت إلى أن العامل الاقتصادي يشكل الدافع الأبرز للاحتجاجات، إلى جانب المطالب السياسية والحريات العامة، إذ يرى المواطن الإيراني أن ثروات بلاده، رغم غناها بالنفط والموارد الطبيعية، تُنفق خارج الحدود، في لبنان وسوريا وغيرها، بدل أن تنعكس على حياته اليومية.
وأضاف العموش أن التذمر من السياسات الإيرانية لم يعد محصورًا داخل إيران، بل امتد إلى الشعوب العربية نفسها، مرجحًا استمرار الاحتجاجات ما دام النظام غير مستعد لإجراء تغيير حقيقي في بنيته ونهجه.
وفيما يتعلق بالموقف الأميركي، رأى العموش أن واشنطن تقف أمام خيارين إما إخضاع النظام الإيراني بالكامل وتقييد نفوذه الإقليمي بعد تراجع ما سُمّي بمحور الممانعة في لبنان وسوريا والعراق واليمن، وعندها قد يتم التعايش معه مرحليًا، أو المضي في مسار إنهائه، معتبرًا أن هذا النظام بات غير مرغوب فيه دوليًا وداخليًا على حد سواء.
وحول سيناريو الضربة العسكرية المحتملة، أوضح العموش أن إيران تعاني من اختراقات أمنية عميقة، بدليل عمليات الاغتيال التي طالت شخصيات بارزة داخلها، مشيرًا إلى أن القدرة على الوصول إلى رموز النظام باتت واضحة، وأن تحييد القيادات قد يفتح الباب أمام تغيير داخلي، ربما عبر انقلاب تقوده أطراف من داخل المؤسسة نفسها.
وأكد العموش أن أي تصعيد عسكري في المنطقة سيحمل خسائر جسيمة للجميع، اقتصاديًا وسياحيًا، مع ارتفاع أسعار النفط واضطراب حركة الطيران، واحتمالات امتداد التوتر إلى أجواء دول الإقليم، وهو ما يدفع دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، إلى رفض أن تكون ساحة مواجهة مباشرة، مشددًا على أن هذا الواقع يشكل إحدى نقاط الضعف الاستراتيجية لدى إيران.
وختم العموش أن إيران تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن تتغير من الداخل بشكل تلقائي، أو أن يُفرض عليها التغيير بالقوة، معتبرًا أن أي مسار يؤدي إلى إنهاء النهج الحالي قد يحظى بترحيب إقليمي واسع.
ابو زيد: توقيت ضربة إيران قد يتزامن مع عطلة نهاية الأسبوع في الولايات المتحدة
وفي هذا الصدد قال الخبير العسكري والإستراتيجي، الدكتور نضال أبو زيد، إن شكل الرد الإيراني، في حال تطوره، يُتوقع أن يكون على هيئة طبقات أو مراحل متتابعة، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تبدو وكأنها قد بدأت بالفعل، وتتمثل في الهجوم السيبراني أو الإلكتروني، ووفق القراءة الأمريكية، تهدف هذه المرحلة إلى تهيئة البيئة العملياتية ومسرح العمليات تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة القصف الجوي.
وأوضح أبو زيد أن الاعتماد على القصف الجوي وحده لا يمكن أن يحقق الهدف الأمريكي المعلن أو غير المعلن، والمتمثل بإسقاط النظام الإيراني، لافتاً إلى أن هذا التوجه بات أكثر وضوحاً من خلال تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي استخدم مصطلح “ميغا” بدلاً من “ماغا”، في انتقال لافت من شعار “جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” إلى “جعل إيران عظيمة مرة أخرى”، بما يعكس توجهاً أمريكياً يتجاوز الضغط إلى السعي لتغيير النظام، وأضاف ابو زيد أن إسقاط النظام لا يمكن أن يتم عبر الطيران فقط، ما يعني أن أي عملية عسكرية ستكون مركبة ومتعددة المراحل.
وبيّن أن هذه المراحل تبدأ بالهجوم السيبراني، ثم تتبعه ضربات صاروخية يُرجح أن تُنفذ باستخدام صواريخ بعيدة المدى، مثل صواريخ كروز وتوماهوك، المنتشرة على متن حاملات الطائرات الأمريكية، إضافة إلى الغواصات من طراز “أوهايو” المتواجدة في المنطقة والقريبة من إيران، كما أشار إلى أن الولايات المتحدة قد تعتمد على قواعد بعيدة نسبياً عن الأجواء الإيرانية، مثل قاعدة دييغو غارسيا، التي تبعد نحو أربعة آلاف كيلومتر عن إيران، وقاعدة غوام التي تتمركز فيها قاذفات B-52، في إطار تنفيذ عمليات من خارج المجال الجوي الإيراني.
وأكد أبو زيد أن إيران تشكل عقدة استراتيجية أساسية في المنطقة وعنصراً محورياً في معادلة التوازن الإقليمي، محذراً من أن كسر هذا التوازن ستكون له انعكاسات سلبية على الإقليم بأكمله، خاصة في ظل غياب تصور واضح لبديل النظام الإيراني، ولفت إلى أن أي بديل محتمل قد يتجه نحو التشبيك مع الجانب الإسرائيلي، ما يضع المنطقة أمام مشهد إقليمي أكثر تعقيداً وحساسية.
وحول السيناريوهات المحتملة، رجّح أبو زيد، رغم أنه ليس الخيار الأفضل، سيناريو تنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران، معتبراً أن مؤشرات عدة توحي بإمكانية حدوث قصف خلال الأسبوع الجاري، وأوضح أن توقيتاً كهذا قد يتزامن مع عطلة نهاية الأسبوع في الولايات المتحدة، حيث تكون أسواق المال مغلقة، ما يخفف من التأثيرات الاقتصادية المباشرة على الداخل الأمريكي، وأضاف أن ترامب يتعامل بعقلية رجل الأعمال والصفقات أكثر من تعامله بعقلية الاتفاقات السياسية، ما يجعل مسألة التوقيت مرتبطة بلحظة اتخاذ قرار “ساعة الصفر”، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن تسارع المتغيرات في الملف الإيراني يجعل هذا السيناريو غير ثابت وقابلاً للتبدل.
وفي هذا الإطار، أشار أبو زيد إلى بروز ما وصفه بخطة خداع استراتيجي بدأت منذ منتصف الأسبوع الماضي تقريباً، موضحاً أن البعض فسّر هذه الخطة على أنها تراجع في الزخم الأمريكي تجاه الخيار العسكري، إلا أن ما جرى، بما في ذلك الإغلاق الجوي الذي نفذه حلف شمال الأطلسي، يندرج ضمن إطار الخداع الاستراتيجي، وأوضح أن تحركات الطائرات الأمريكية أدت إلى استفزاز الجانب الإيراني ودفعه لتفعيل منظومات الدفاع الجوي، ما أتاح للولايات المتحدة التقاط البصمات الرادارية الكاملة لتلك المنظومات، وأضاف أن هذا السيناريو يتكامل مع خداع إعلامي رافقته تسريبات ورسائل مدروسة، هدفت إلى إرباك المشهد وتهيئة الظروف لخيارات لاحقة.
الصمادي: الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها إيران نتيجة لتراكم العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية
ومن جانبه قالت الدكتورة في العلوم السياسية، صفاء الصمادي، إن الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها إيران اليوم عن نتيجة حتمية لتراكم مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المستويين الداخلي والإقليمي، والتي تصاعدت لتصل إلى احتقان الشارع الإيراني بشكل غير مسبوق، المتظاهرون يواجهون آثار سياسات اعتمدت على تغليب ملف تخصيب اليورانيوم لأغراض التسلح النووي على حساب الحقوق الأساسية للمواطنين، إلى جانب اتباع استراتيجية توسعية إقليمية أثرت بشكل مباشر على حياتهم اليومية ومستوى معيشتهم.
واضافت الصمادي لقد تراكمت سنوات من القمع السياسي والاجتماعي، وغياب أي تعددية حقيقية، ما جعل الشعب الإيراني يعيش في ظل معادلة قاسية مفادها “إما أن تكون معي أو ضدي”، مع تجاهل التنوع الديني والمذهبي والعرقي الذي يميز المجتمع الإيراني، والذي يضم السنة والشيعة، والمسيحيين، واليهود، إلى جانب الأكراد والبلوش وغيرهم من المكونات العرقية الأخرى، هذه التركيبة المتنوعة كانت بحاجة إلى إدارة حكيمة ومراعية لمطالب الجميع، إلا أن غياب العدالة في توزيع الموارد، وتدهور المستوى المعيشي، وانتشار البطالة، والفقر، جعل الشارع الإيراني ينفجر مع كل أزمة جديدة.
وتابعت الصمادي علاوة على ذلك، فقد لعبت العقوبات الاقتصادية المشددة على إيران، والانقسام الحاد في العلاقات مع الولايات المتحدة، وسياسة الضغوط القصوى التي انتهجتها واشنطن، دورًا كبيرًا في تفاقم الأزمة، إيران لم تُظهر أي توجه داخلي إيجابي قادر على حماية الجبهة الداخلية، أو تعزيز الثقة بين مؤسسات الدولة والمواطنين، ما ساهم في اتساع الهوة بين الدولة والمجتمع، وفي الوقت نفسه، منح هذا الواقع الولايات المتحدة فرصة لاستمرار الضغط على النظام الإيراني، مع توخي الحذر من أي تحرك قد يؤدي إلى تدخل عسكري مباشر، لا سيما بعد تجاربها المكلفة في أفغانستان والعراق، وما يمكن أن يترتب على أي تدخل في إيران من تداعيات اقتصادية وأمنية جسيمة، تشمل هذه التداعيات تفاقم الأزمات الاقتصادية العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة، وفقدان السيطرة على التضخم، إضافة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة، وهو ما لا يخدم مصالح واشنطن أو قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط.
واشارت الصمادي يمكن القول إنه من غير المرجح أن تشهد المرحلة القريبة ضربة عسكرية أمريكية مباشرة ضد إيران، بدلاً من ذلك يبدو أن الضغوط الأمريكية ستتجه نحو استخدام الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية للتأثير على بنية النظام السياسي في طهران، بهدف فرض تغييرات تدريجية دون الدخول في صراعات عسكرية مكلفة، خاصة أن قضايا منطقة الشرق الأوسط معقدة ومتشابكة، وخيارات الحلول فيها محدودة، كما أن أي محاولات لإسقاط النظام على غرار ما حدث في دول أخرى، قد تؤدي إلى تصعيد عسكري لا يمكن احتواؤه بسهولة، مع انعكاسات كبيرة على الاستقرار الإقليمي والعالمي.
ونوهت الصمادي تشير التطورات الراهنة إلى أن الحل الحقيقي والأكثر استدامة لأي أزمة في إيران يرتكز على الداخل، وليس على الضغوط الخارجية وحدها، فالدول التي تحافظ على سيادتها وأمنها واستقرارها، هي التي تتمكن من تحصين بنيتها الداخلية، والاستجابة لمطالب شعوبها المشروعة، وضمان شرعية نظامها السياسي، والحفاظ على مؤسساتها، وهذا ما ينطبق على إيران، التي باتت مرهونة بقدرتها على استيعاب الأزمات التي تواجهها وإدارتها بمرونة وحكمة، سواء على صعيد معالجة الأزمة الاقتصادية، أو تحسين مستوى المعيشة، أو تعزيز حقوق المواطنين، أو تحقيق توازن بين سياستها الإقليمية ومتطلبات الداخل، بما يضمن استقرارها على المدى الطويل.
وختمت الصمادي الاحتجاجات الشعبية من وجهة نظري، ليست مجرد رد فعل لحظي على السياسات الاقتصادية أو الاجتماعية، بل هي مؤشر على هشاشة البنى السياسية، وضرورة إعادة النظر في أساليب الحكم، وإشراك المجتمع في صياغة الحلول، لضمان عدم تفاقم الأزمة، ولتفادي أي سيناريوهات دراماتيكية قد تكون مكلفة داخليًا وخارجيًا على حد سواء، فالقدرة على إدارة الأزمات الداخلية، والاستجابة لتطلعات المواطنين، تظل السبيل الأكثر أمانًا لضمان بقاء النظام مستقرًا وقادرًا على مواجهة الضغوط الخارجية دون أن يفقد شرعيته ومؤسسات الدولة قوته.






