كتب. رمزي الغزوي
حتى ولو حمل اسم باندورا، لا يمكننا أن نتخيّل كوكباً آخر غير الأرض، تعرض ويتعرض لغزو الأشرار الظالم المؤلم التخريبي، كما في فيلم أفاتار بجزأيه الأول في العام 2009، والثاني الصادر مؤخرا من تأليف وإخراج جيمس كاميرون.
ففي الأدب والسينما وسائر الفنون الأخرى يُسأل دوماً عن الأثر المتروك في نفس المتلقي، بعد قراءة أو مطالعة أو مشاهدة العمل الإبداعي والاشتباك معه. ماذا خلد في وجداتنك بعد إذ عشت تفاصيله وأبعاده، أو حين لامس روحك وقلبك وكأنك جزء منه؟ وفي حالتنا مع الفيلم، ماذا يكمن خلف ذلك الإبهار المبهر في كوكب بعيد قريب، يزخر بالصخور الهائمة والمياه البعيدة المدهشة والفضاءات الواسعة، والألوان الخلابة والأشجار والكائنات العجيبة والأحداث غير المتوقعة؟
حال خروجك من قاعة السينما ستدرك أن جوهر الفيلم، المصنف في خانة الخيال العلمي، رسالة مشفّرة بلغة العاطفة والمنطق معاً لإنقاذ كوكبنا الحزين. ولكن المخرج العبقري أراد أن يوصلها موشاة بخيال خصب عامر بالمعاني؛ ليجعلنا نؤمن أن أمنا الأرض تتعرض الآن للغزو الشرير الذي جرّف بيئتها وملأها بالغازات الدفيئة حتى غدت قاب وجعين من كوكب قاحل غير قابل للحياة، من فرط همجيتنا وغرورنا وطيشنا وجشعنا وعدم رويتنا لأنفسنا والآخرين. نخرج من الفيلم موقنين أن علينا التمسك بأخر ما ظل عالقا في صندوق بندورا الشهير.
أعتقد أن كاميرون كان ذكيا ذا بعد نظر حين أطلق اسم باندورا على كوكبه المخيل، حتى ولو أن بعضا من النقاد الذين لم يتعمّقوا في مرامي الاسم عابوا عليه الاختيار؛ لتقاطعه مع أفلام عديدة حملت الاسم ذاته.
في الأسطورة اليونانية قدمت الأسياد هدية رائعة للإنسان، هي امرأة بهية اسمها باندورا، أي هدية الجميع، فالكل اشترك في تجميلها وتزيينها. ثم أعطوها هدايا كثيرة وصندوقا ذهبيا مقفلاً شرط ألا تفتحه أبدا. وكانت آخر هدية قُدمت لها الرغبة بمعرفة المستقبل، إلا الصندوق الذي دفنته لتدفن فضولها أرقها بشدة فنهضت في ليلة وحفرت حتى أخرجته، ثم أدخلت مفتاحاً في القفل ورفعت الغطاء ببطء. كان هناك أزيز ونبضات سريعة وضجيج لحمي داخل الصندوق، وعندما فتحته أزّت وطارت مخلوقات شبيهة بالسحالي المحرشفة ذات العيون الحمراء الملتهبة.
حامت الكائنات المخيفة حول رأس بندورا وخبطت بأجنحتها وهي شبه مغمى عليها راكعة متشبّثة بغطاء الصندوق حتى أقفلته؛ لتمسك آخر وحش كان يحاول الهروب، طرحته في الداخل وأطبقت الغطاء ودفنت صندوقها إلى الأبد.
المخلوقات القبيحة تلك حسب ما تقول الأسطورة هي الأمراض التي تحيط بنا الآن من تلوث وتخبط وحروب وجنون وغرور وتزييف وفساد وجبروت، والأمور كانت ستجري بشكل أسوأ لو أن المخلوق الذي أطبقت عليه قد انطلق، لأنه نذير الشؤم، وهو الضربة القاضية لبني الإنسان. فلو أنه تحرّر لكان كل فرد يعرف حظه، وما سيحدث له في المستقبل، وعندها لن يكون الأمل ممكناً أو متاحاً.
الأمل موجود ما دام طائر الشؤم مدفونا في صندوق بندورا، وموجود لأن أفاتار، وهي كلمة سنسكريتية تعني تناسخ الأرواح، يمنحنا تصورا هاما بقدرة التكنولوجيا والعلم على عمل شيء نسترد فيه عافية أرضنا وصحتها. ففي النهاية استطاع شعب نافي، سكان بندورا، أن ينتصروا بتماسك العائلة وشجاعتها وتفانيها، وهذا يمنحت أملا إضافيا بقدرتنا على تجاوز المحنة.
بقي أن أقول إن التحية الوحيدة في بندورا تتمثل في جملة قصيرة بسيطة سامية يتبادلها السكان فيما بينهم وهم يحدقون بعيون بعضهم. إني أراك. ولو أن سكان الأرض رأوا أنفسهم، ورأوا غيرهم بعين القلب والحب والتقبل لما وقعنا في فخنا وشرور أعمالنا.