كتب. بشار الجرار
أقول أخيار وهم أحرار بالضرورة، لكني أحببت اجتناب أي تشابه بالأسماء ليس المقام للخوض فيه. مازال دارسو التاريخ المعاصر والحديث وحتى القديم يخوضون في منشئهم وأحوالهم وأهدافهم، لكن الثابت أنه سر المهنة المصون هو ذلك الذي كان حكرا بين جهابذة البناء والمعمار.
أتحدث حصرا عن البنّائين الأخيار الذين جعلوا من المهنة رسالة، فصار الفلاح وعمارة أرض الله الواسعة وليس الأوطان فقط، أمانة تخشى الجبال حملها.
من أيام خدمة هاني الملقي -مع حفظ الألقاب- رئيس الوزراء الأسبق وحتى بشر الخصاونة رئيس الحكومة الحالية، أتاحت الصحافة الحرة في الداخل والخارج المجال لآراء وخيال المستبشر خيرا، والمعارض دائما، والمتحفظ غالبا، والمتأرجح بينهم جميعا، والصامت من باب «قل خيرا أو اصمت»، والصامت عملا بحكمة «لننتظر ونرَ»!
لا يحتاج الأمر لإدراك أن قرار إنشاء «مدينة وليس عاصمة جديدة» قرار استراتيجي وطني من لدن سيّدنا. جلالة الملك عبدالله الثاني الباني والمعزز لما أسسه ملوكنا الهواشم طيب الله ثراهم أجمعين، الملك الشهيد عبدالله الأول، والملك طلال، والراحل العظيم الحسين.
حدثني أكثر من قيادي أردني خدمت بمعيته على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، كيف واجه بعض «الغيورين على المصلحة العامة» دون امتلاك رؤية تامة لبعض القرارات الاستراتيجية، واجهوا المشاريع الجديدة بالتثبيط والتشكيك منها إقامة مطار وتلفزيون.. نذكر مقابلة أجراها جلالة الملك مع محطة أمريكية قبل نحو عقدين عن أولئك «المترددين» مع الاحترام لمشاعر الكثير منهم النابعة من المحبة والحرص، لا ريب. لكنها طبيعة الناس، ثمة من يقتحم التحديات ويحيلها إلى فرص وثمة من يؤثر السكون طلبا للأمان.
ومن وحي البناء كمهنة، يبرز مثال الحجر. وحدهم الحكماء الشجعان الذين يحولون حجارة العثرة «ستامبلينغ بلوكس»، إلى «بيلدينغ بلوكس» حجارة بناء.
قرار بناء المدينة اتخذ، واختيار موقعها كذلك. مصادر التمويل كما أكد وزير الاتصال الحكومي فيصل الشبول ستكون «استثمارات محلية وعربية وعالمية». فماذا بعد؟ وكيف نساهم كبنّائين -كل حسب اختصاصه وموقعه- في إقامة صرحنا الوطني الجديد. فكل مدينة، بلدة، قرية، كل محمية طبيعية، تضيف إلى معالمنا العمرانية الحضارية خطوة إلى الأمام في سيرتنا الوطنية العطرة دائما بعون الله.
خاضوا في رسومات الإصدار الخامس من عملتنا الوطنية، ويخوضون في كل جديد يفرضه التطور وأمور في غاية التخصص لا تخفى على عاقل ومنصف. من الجميل أن يتحدث الجميع في الشأن العام، فتلك ميزة من مزايانا الوطنية. لكن الأجمل والأنفع هو الاختصاص. وبعض حديث المختصين لا تتسع له مقالة ولا مقابلة تلفزيونية ولا محاضرة جامعية. من المؤكد أن كثيرا من النقاشات القائمة على دراسات المختصين قد تمت قبل إعلان النية عن إقامة مدينتنا الجديدة. أهمها الاستفادة من الأخطاء أو الظروف القاهرة التي فرضت على مساحات الأردن الحبيب الجور على الأرض وما تحتها من مياه جوفية وتربة زراعية. نذكر بإجلال ومحبة خالد الذكر، الشهيد وصفي التل وحرصه على مواجهة الزحف العمراني.
أدعو إخوتي في تخصصات لا علاقة لها بهندسة المدن إلى تقديم ما ينفع من أفكار خاصة بالجانب الإنساني لإقامة المدن وعمارتها. تخصصات كالتنمية البشرية والطاقة المستدامة والبيئة النظيفة التي تشمل فيما تشمل الحد من التلوث الضوضائي والبصري. ليس سرا أن اللونين الأزرق (المياه) و الأخضر (الزراعة) يبعثان على السكينة التي لا يجدي أي سكن وإسكان دونها.. كم هو عظيم أن نشهد ميلاد قصة نجاح أردنية نبطية جديدة نحفر فيها الصخر معا، ونؤسس فيها لنظام ري أسطوري ما زال من أولى أولوياتنا الوطنية، أمننا المائي.. الهمة دائما عالية، ولا سقف لطموح أولي العزم.