عناتي :التغطية المهنية للحروب تتجاوز نقل الحدث إلى تفسير خلفياته السياسية
صدى الشعب-أسيل جمال الطراونة
تؤكد الدكتورة مي عناتي، خبيرة في مجال الإعلام، أن للإعلام دورًا محوريًا في تشكيل وعي الجمهور تجاه الحروب والصراعات، باعتباره في كثير من الأحيان المصدر الأول الذي يعتمد عليه الناس لفهم ما يجري في مناطق النزاع.
وتوضح أن التغطية الصحفية للحروب لا تقتصر على نقل التطورات العسكرية فحسب، بل تمتد لتشمل تفسير الخلفيات السياسية والاستراتيجية للصراع، إضافة إلى توضيح تداعياته الإقليمية والدولية.
وتشير إلى أن المشهد في منطقة الشرق الأوسط يعكس مدى تعقيد هذه التغطية، فحين تتصاعد المواجهات بين إسرائيل وإيران أو عندما تدخل الولايات المتحدة على خط التوتر في المنطقة، يصبح الإعلام مطالبًا بتفسير شبكة العلاقات الجيوسياسية المرتبطة بالصراع. كما ينطبق الأمر على لبنان، حيث لا يمكن فهم أي تصعيد عسكري دون النظر إلى التوازنات الإقليمية ودور الفاعلين الدوليين، الأمر الذي يجعل من الإعلام المهني أداة لا تكتفي بعرض الحدث، بل تساعد الجمهور على قراءة المشهد السياسي الأوسع الذي يقف خلفه.
وفي السياق ذاته، تبين عناتي أن تأثير الإعلام في توجيه الرأي العام أثناء الحروب يعد تأثيرًا كبيرًا، نظرًا لاعتماد الجمهور بشكل أساسي على وسائل الإعلام لفهم الأحداث المتسارعة.
وتلفت إلى أن طريقة عرض الخبر، واختيار الضيوف والمحللين، إضافة إلى اللغة المستخدمة في العناوين، كلها عناصر تؤثر في كيفية تلقي الجمهور للمعلومات وفهمه لطبيعة الصراع.
وتوضح أن التغطية الإعلامية قد تختلف في زواياها تبعًا لسياسة الوسيلة الإعلامية وطبيعة معالجتها للأحداث ،فخلال التصعيد بين إسرائيل وإيران مثلًا، ركزت بعض وسائل الإعلام على البعد العسكري المباشر، بينما اهتمت وسائل أخرى بتحليل احتمالية توسع المواجهة لتشمل الولايات المتحدة أو تهدد الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز.
،كما أن التغطية الإعلامية للحرب على لبنان قد تتنوع بين التركيز على التطورات الميدانية وبين تحليل التداعيات السياسية والاقتصادية للحرب على الداخل اللبناني والمنطقة.
وتضيف عناتي أن وسائل الإعلام تعتمد على مجموعة واسعة من الأدوات لإبراز مشاهد الحرب وتأثيراتها على الجمهور، إذ تعد التقارير الميدانية والصور ومقاطع الفيديو من أبرز الوسائل التي تنقل الواقع مباشرة من مناطق النزاع. كما تلعب القصص الإنسانية دورًا مهمًا في تسليط الضوء على معاناة المدنيين وإظهار التأثير الحقيقي للحروب على حياة الناس.
وتشير في هذا الإطار إلى أن تغطية الصراعات في غزة غالبًا ما تركز على قصص العائلات التي تضطر للنزوح أو على الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية، وهو ما يمنح الجمهور صورة إنسانية عن الحرب. وفي المقابل، تعتمد بعض التغطيات الإعلامية، خاصة في حالات التوتر بين إيران وإسرائيل، على تحليل صور الأقمار الصناعية أو البيانات العسكرية لفهم طبيعة الضربات وحجم تأثيرها الاستراتيجي.
وفيما يتعلق بتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، توضح عناتي أن هذه المنصات أحدثت تحولًا كبيرًا في طريقة نقل أخبار الحروب مقارنة بالإعلام التقليدي. فاليوم يمكن أن تنتشر الصور ومقاطع الفيديو من مناطق النزاع خلال دقائق معدودة، سواء من لبنان أو غزة أو غيرهما من مناطق الصراع، الأمر الذي أتاح للجمهور وصولًا أسرع إلى المعلومات.
إلا أنها تشير في الوقت نفسه إلى أن هذا التطور رافقه ارتفاع في مخاطر انتشار الأخبار المضللة، حيث تنتشر أحيانًا مقاطع فيديو قديمة أو مفبركة ويتم تداولها على أنها أحداث جديدة. لذلك تؤكد أن دور المؤسسات الإعلامية المهنية أصبح أكثر أهمية في التحقق من صحة المحتوى المتداول ووضعه في سياقه الصحيح، لافتة إلى أن بعض المؤسسات بدأت بالفعل باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحليل الصور والفيديوهات والتأكد من مصداقيتها.
وفي ختام حديثها، توجه الدكتورة مي عناتي نصيحة للصحفيين الشباب بضرورة التعامل مع أخبار الصراعات بدرجة عالية من المسؤولية المهنية، نظرًا لتعقيد هذه الملفات وكثرة الروايات المتناقضة المرتبطة بها. وتشدد على أهمية التحقق من المعلومات من أكثر من مصدر قبل نشرها، إضافة إلى ضرورة فهم الخلفيات السياسية والتاريخية للنزاع، لأن نقل الخبر دون سياق قد يؤدي إلى تقديم صورة غير مكتملة أو مضللة.
كما تؤكد أن الصحفي يجب أن يتذكر دائمًا أن وراء كل خبر عن الحرب حياة أشخاص حقيقيين، وهو ما يتطلب أن تجمع التغطية الصحفية بين الدقة المهنية والحس الإنساني، بما يضمن نقل الحقيقة مع مراعاة الأبعاد الإنسانية للصراعات.






