صدى الشعب – كتب رئيس التحرير خالد خازر الخريشا
لم تعد بطاقات التدريس التي تُباع في المكتبات والأسواق ظاهرة موسمية مرتبطة بامتحان التوجيهي، بل تحوّلت إلى مشهد تعليمي مشوَّه يتمدّد بصمت من الصف السادس وحتى التاسع لنصل الى بعبع التوجيهي في ظل صمت وزارة التربية والتعليم ، تجارة جديدة تستنزف الجيوب والعقول وصل سوقها إلى المراحل التي يُفترض أن تُبنى فيها مهارات الفهم والتفكير، لا أن تُختزل في الحفظ والتلقين والأخطر من الظاهرة ذاتها أن وزارة التربية والتعليم تقف موقف المتفرّج ، وكأن ما يجري خارج أسوار المدارس لا يعنيها .
ما نشهده اليوم ليس استخداماً لوسيلة مساعدة ، بل تغوّلاً لمنهاج تلقيني موازٍ، يُباع بلا ضوابط ، ويُسوَّق على أنه طريق النجاح الأقصر، بطاقات تختصر المنهاج، وتلغي السؤال، وتكافئ الذاكرة على حساب العقل، وحين تُزرع هذه الثقافة في الصفوف الأساسية، فإننا لا نُنتج طالبًا ضعيفًا فقط، بل نُنشئ جيلًا عاجزاً عن التحليل، خائفاً من التفكير، ومدمَنًا للإجابة الجاهزة .
تحمّل أولياء الأمور ما لا يُحتمل، تحمّلوا عبء المدرّس الخصوصي، ثم اضطروا لتحمّل كلفة مراكز التدريس التجارية التي نمت في ظل تراجع دور المدرسة وإلغاء حصص التقوية، واليوم يكتمل المشهد العبثي ببطاقات تدريس تُباع بلا رقابة، وكأن الأسرة هي المموّل الدائم لفشل المنظومة، لم يعد السؤال كم يدفع وليّ الأمر، بل: إلى متى سيبقى يدفع بدل أن تُعالَج الأزمة من جذورها لان العملية تتمدد مثل النار في الهشيم يقابلها صمت مسكوت عنه وأسئلة برسم الاجابة وهل بعض المعلمين ضميرهم ينام في المدرسة ويصحى في المراكز والبطاقات والدروس الخصوصية؟
والذاكرة التعليمية لا تنسى ما جرى عندما حاول وزير التربية الأسبق الدكتور محمد الذنيبات إغلاق مراكز التدريس التجارية من أجل اعادة المدرسة الى بريقها العتيق، يومها قامت الدنيا ولم تقعد، وتعرض معالي الوزير لهجمة شرسه من تجار العلم والتعليم الذين يريدون تجويل العلم الى سلعة تحت بند العرض والطلب وارتفعت الأصوات دفاعاً عن “حق التعليم”، بينما الحقيقة أن الدفاع كان عن مصالح تجارية صِرفة وللأسف لم يُحسم الملف ، بل جرى الالتفاف عليه، فخرجت المراكز من الباب وعادت من النوافذ، واليوم تتناسخ بأشكال أخطر وأوسع انتشارًا، وبكلفة رقابية شبه معدومة.
الأكثر صدمة أن أبطال هذه المنظومة ليسوا غرباء عن التعليم كثير ممن يقودون هذا السوق هم معلمون يفترض أنهم رسل أمانة للعملية التعليمية، وحماة المدرسة لا منافسوها ، وبناة العقول لا تجّار التلقين دون تعميم ، لكن السكوت عن هذا الخلل الأخلاقي والمهني يُعدّ مشاركة فيه، حين يتحوّل التعليم من رسالة إلى مصدر دخل إضافي لبعض المعلمين على حساب الطالب ووليّ أمره.
في المقابل يُفرَّغ المعلم داخل المدرسة من دوره الحقيقي ، وتتحوّل المدرسة إلى مساحة حضور شكلي، بينما “التعليم الفعلي” يُدار خارجها وكيف نطالب المعلم بالمسؤولية، ونحن نسمح لسوق عشوائي أن ينافسه دون معايير؟ وكيف نرفع شعارات تطوير التعليم ، بينما نترك أدوات الهدم تعمل بحرية؟
أما العدالة التعليمية وتكافؤ الفرص، فقد تحوّلا إلى شعارات بلا مضمون، طالب يملك المال يملك البطاقات، وطالب لا يملك المال يُترك ليصارع وحده هكذا تتعمّق الفجوة داخل الصف الواحد، ويُعاد إنتاج اللامساواة باسم التعليم.
المسؤولية هنا لا تحتمل التمييع والتسويف، وزارة التربية والتعليم تتحمّل العبء الأكبر، ليس فقط لغياب الرقابة، بل لأن الصمت في هذه الحالة قبول ضمني بمنهاج موازٍ يُدار خارج سلطتها، أين التشريعات؟ أين المعايير؟ وأين الموقف الواضح من تحويل التعليم إلى سوق مفتوح دون ضوابط؟
إن الامتحانات النمطية، والمناهج المثقلة، وضعف التدريب، كلها فتحت الباب لهذه التجارة ، لكن الاستمرار في تجاهل نتائجها هو الأخطر فنحن أمام مسار يُنتج أجيالًا تحفظ لتنجح، وتنسى لتفرغ، وتنتقل بين الصفوف بلا أدوات حقيقية، مع ثقة تتآكل بالمدرسة وبالدور التربوي للدولة.
وهنا لا بد من السؤال الصريح: سؤال إلى وزير التربية والتعليم: من يحمي الأجيال القادمة من تغوّل بطاقات التدريس التلقينية على عقول تلاميذنا ؟ بعد أن تمدّدت من التوجيهي إلى الصفوف الأساسية، ومن يقرع جرس الخطر إذا كانت الوزارة نفسها تقف في موقع المتفرّج؟ التعليم ليس سلعة، ولا المكتبات والمحلات التجارية قاعات صف، ولا البطاقات بديلًا عن العقل، وإن استمر هذا الصمت، فلن يكون تقصيراً إدارياً فحسب، بل شراكة كاملة في إفراغ التعليم من معناه.





