صدى الشعب – كتبت – المحامية هبه أبو وردة
واحدة من نتائج ضعف السياسة، تغير قناعات السلطة، حيث أن العقل الجمعي حين يعجز عن تفسير أية قرار يلوذ بالأسطورة، خاصة وأن الخيال دائما هو آخر أدوات الفهم، لذلك فإن مجرد كدمة عابرة في جسد سياسي أو زعيم عالمي في الآونة الأخيرة، باتت تشغل مخيلة العالم تحت مفهوم “العين السوداء”.
نظرية “العين السوداء” فتحت بوابة رمزية واسعة دخل منها وعي مأزوم يبحث عن تفسير سهل لواقع بات أثقل من أن يُحتمل، وأصبح في لحظة ما الجسد السياسي أهم من السياسة نفسها، وصارت العلامة أبلغ من القرار، وصار تفسير الكدمة أكثر إغراء من تفكيك النظام الذي أنتجها، وهنا تحديدا بدأت السياسة المحنكة.
نظريات المؤامرة تولد في المساحات التي انسحبت منها الشفافية، تراجعت فيها المحاسبة وانكسر فيها العقد غير المعلن بين الدولة ومواطنيها؛ فالإجابات الرسمية المقنعة حين تغيب، تنتزع السؤال سرديات جاهزة، تقدم على هيئة “الكشف”، بينما هي في حقيقتها ستار كثيف.
السياسة في الشرق الأوسط، لها تاريخ طويل من القرارات غير المشروحة، التحالفات الصامتة والانقلابات التي تفهم بعد وقوعها بسنوات، لذلك أصبحت المؤامرة لغة مألوفة؛ ببساطة؛ لأنها منسجمة نفسيا مع تجربة جمعية ترى السلطة ككائن بعيد وعصي على الرؤية، لا يُمس ولا يُسأل.
في هذا السياق تحديدا، تبدو فكرة “نادي العين السوداء”، منطقية في بيئة اعتادت أن ترى النتائج دون أن ترى الآليات، والخطر الحقيقي، يكمن في التحول البنيوي الذي تحدثه هذه الروايات في طريقة التفكير السياسي، حين يتحول العقل من تحليل السبب والنتيجة إلى مطاردة الإشارة، ومن تفكيك المصالح إلى قراءة العلامات، فتتحول السياسة إلى طقس غيبي يراقب ولا يُمس.
وذلك أصبحت السلطة كأنها كوكب معتم، يدور بعيدا عن أي مدار بشري، ويغدو القرار أشبه بظاهرة فلكية ترصد ولا تُناقش، ومع هذا التحول الغضب الشعبي يصبح طاقة سائبة تستهلك في التفسير، بمعنى أوضح يبقى الغضب موجود، كثيف وصاخب، لكنه بحر هائج بلا اتجاه أو شاطئ يضربه،
في هذه اللحظات الحرجة حين نكتفي السخرية من نظريات المؤامرة، أو الوقوف موقف الحياد، فإننا نترك فراغا معرفيا لا يملأ إلا من خلال صانع النظرية ذاته، حين يعيد إنتاج الخرافة بلغة أكثر جاذبية، مستخدما جيوشه الإلكترونية؛ وهذه نتيجة حتمية في ظل غياب التحليل السياسي العميق، وصمت الشرح المنهجي ماهية إدارة السلطة فعلا، كيف تصنع القرارات، كيف تبنى مراكز النفوذ وكيف تتحرك المصالح داخل القانون وخارجه
ما يزيد الخطر، أننا في زمن صعود الإعلام الجديد، حيث الصورة أسرع من الفكرة، الانطباع أسبق من التحليل، تنتصر السردية التي لا تطلب من المتلقي سوى أن يرى، حتى تتحول نظرية المؤامرة من خطاب احتجاجي إلى أداة ضبط ناعمة، تمنح الشعوب شعورا زائفا بالمعرفة وهم الاصطفاء، لكنها في المقابل تسلبها أخطر عناصر القوة السياسية، وهي القدرة على تحويل الغضب إلى مطلب، السؤال إلى مسار والوعي إلى تنظيم.
المؤمن بالمؤامرة يشعر أنه يعرف السر، لكنه لا يعرف أين يضع قدمه، يرى العالم مظلما بالكامل، فيقنع نفسه أن الحركة عبث، وهنا تقع المفارقة القاسية، والسلطة لا تخاف من هذا النوع من الوعي، والتفسيرات الغيبية لا تهددها، والحديث عن نخب خفية لا يربكها؛ فلا وحش يقف أمامها سوى العقل الذي يسمّي الأشياء بأسمائها، يربط القرار بمصدره والمصلحة بمستفيدها والقانون بثغراته والسلطة بمساءلتها.
انشغال الشعوب بالعين السوداء، تبقى الأيدي التي توقع القرارات بعيدة عن الضوء، تمرر السياسات الثقيلة كقطارات ليلية بلا ضجيج وبلا اعتراض، المنطق يقول أن العالم لا يمكن أن يعيش دون أن تحاك المؤامرات؛ فالتاريخ السياسي لم يكن يوما بريئا، لكن أن نقبل أن تُختزل السياسة كلها في مؤامرة، سنعيش في دوائر مغلقة مقتنعين أن الفهم مستحيل والمواجهة عبث.
الكدمة تحت عين الزعيم، ربما تكون نتيجة ضربة جسدية غير مقلقة، لكن الكدمة التي أصابت عين الوعي حتما هي نتيجة تحول السياسة إلى لغز والسلطة إلى قدر، وهو أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب.






