النجار: السردية الأردنية مشروع وطني استراتيجي لحماية الهوية وتحصين الذاكرة
جرار: السردية الأردنية ضرورة لحماية الهوية وكشف السرديات المزيفة
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وتزايد الصراع على الرواية والذاكرة والهوية، لم يعد توثيق التاريخ فعلًا معرفيًا محايدًا فحسب، بل بات معركة وعي مفتوحة، تتداخل فيها السياسة بالثقافة، والمعرفة بالسيادة، والسردية بالوجود.
ومن هذا المنطلق، يأتي إطلاق مشروع «السردية الأردنية.. الأردن – الأرض والإنسان» استجابةً لرؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، بوصفه مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا وذلك بأن بتكون الرواية الأردنية ركيزة أساسية في بناء الوعي الجمعي، وحماية الهوية، وتحصين الذاكرة الوطنية.
ويرى مختصون ثقافيون أن السردية الأردنية تمثل أداة دفاع معرفي، ومرجعية ثقافية، وسلاحًا ناعمًا في معركة حماية الوعي والهوية، إذ تسعى إلى صون الذاكرة الجمعية وتعزيز الانتماء الوطني للأجيال الحالية والمقبلة.
وأكدوا خلال حديثهم لـ”صدى الشعب” أن المشروع ليس مجرد توثيق للماضي، بل تأسيس واعٍ لمستقبل يرتكز على ذاكرة وهوية راسخة.
وكان سمو الأمير الحسين بن عبدﷲ الثاني، ولي العهد، قد أكد خلال لقاء ب وجهاء وممثلين عن محافظة الطفيلة أنه لا بد من توثيق السردية الأردنية، بمشاركة أبناء وبنات الوطن ومؤسساته، لتكون مرجعية للأجيال القادمة.
وأستجابة لرؤية سمو الأمير الحسين بن عبدﷲ الثاني، ولي العهد، أطلقت وزارة الثقافة مشروع “السردية الأردنية.. الأردن – الأرض والإنسان” بما هو مشروع يهدف إلى توثيق تاريخ الأرض الأردنية والإنسان الذي عاش عليها عبر مسار زمني ممتد لأكثر من مليونين ونصف المليون عام، وصولاً إلى قيام الدولة الأردنية الحديثة، وفق إطار علمي أكاديمي موثوق.
ويستند المشروع إلى نتائج بعثات أثرية متخصصة أثبتت وجود نشاط بشري مبكر على أرض الأردن، حيث كشفت مسوحات وحفريات أُجريت في منطقة السخنة شمال المملكة عن أدوات صوانية تعود إلى نحو 2.5 مليون سنة، جرى تأريخها اعتمادا على طبقات جيولوجية بازلتية وباستخدام وسائل مخبرية حديثة، ما يشكّل دليلا علميا على أن الأردن من أقدم مناطق الاستقرار البشري في العالم.
وتشرف وزارة الثقافة على تنفيذ المشروع من خلال هيكل تنظيمي يضم لجانا علمية متخصصة في مجالات الآثار والتاريخ والجغرافيا والجيولوجيا، تعمل وفق منهجية علمية صارمة تستند إلى نتائج التنقيبات الأثرية والمصادر التاريخية الموثوقة والروايات الشفهية المدققة، لضمان الدقة والموضوعية في المحتوى النهائي.
توثيق علمي شامل لمسار الأرض والإنسان عبر العصور
وبهذا السياق، أكدت وزيرة الثقافة الأسبق ورئيسة لجنة الثقافة والشباب والرياضة في مجلس الأعيان، العين الدكتورة هيفاء النجار، أن إطلاق مشروع توثيق السردية الوطنية الأردنية «الأردن.. الأرض والإنسان» في هذا التوقيت، تزامنًا مع دخول منجز الاستقلال العظيم عقده التاسع، يعكس مسيرة وطنية متواصلة من الإنجاز، تستحق أن تُوثق وتُقرأ بتفاصيلها المرتبطة بحياة الإنسان ورؤاه، وبمسيرة الدولة التي تحترم الإنجاز وتحتفي به، وتواكب التطور وتسخر أدواته.
وقالت النجار خلال حديثها لـ”صدى الشعب” إن هذا المشروع يبرز البنية العميقة لتكوين الدولة الأردنية، القائمة على البناء المستمر بعقلانية وإدارة واستقلالية، معتبرة أن هذا هو الاستقلال بحد ذاته، موضحة أن السردية الوطنية حالة متجددة ومستمرة من التوثيق والقراءة، كما أن الاستقلال هو أيضًا حالة مستمرة من الإنجاز والتقدم نحو المستقبل.
وأضافت أن مشروع السردية الأردنية يسهم بشكل فاعل في صون وحماية الهوية الوطنية، من خلال توثيق المراحل التاريخية والأحداث المفصلية عبر خط زمني يبدأ بعصور ما قبل التاريخ ولا ينتهي بالحاضر، كونه مسارًا متماسكًا ومستمرًا دون انقطاع.
وبيّنت أن وجود مشروع وطني قائم على التوثيق الفعلي لحكاية الأرض والإنسان يمنح الأجيال المقبلة رؤية علمية تحترم معطيات العصر ومنعطفاته، وتجيب عن أسئلة الواقع والحياة، لافتة إلى أنه يوضح كيف عاش الإنسان الأردني عبر العصور، وما موقعه من التطور الحضاري عبر رحلة الزمن، وكيف تراكمت الحضارات على تراب الأردن دون انقطاع، فضلًا عن إبراز الشخصية الأردنية ومساهماتها والاحتفاء بها.
درع معرفي في مواجهة تشويه الرواية وفوضى الإعلام الرقمي
وأشارت النجار إلى أن الرواية الوطنية تتعرض أحيانًا لقراءات خاطئة، سواء عن قصد أو بدونه، مؤكدة أن هذه الرواية تختزل الإنسان وإنجازاته والدولة بمكوناتها، وقد يتجاوز الأمر إلى بث معلومات مضللة بين ثناياها، وهو ما يتفاقم في ظل الفوضى الرقمية التي يعيشها العالم اليوم، حيث بات بإمكان أي شخص المساهمة بما يشاء من محتوى.
وأضافت أن تعدد الروايات وتضاربها يجعل الحاجة إلى كتابة رواية الوطن واجبًا ملحًا وضرورة تفرضها فوضى الإعلام الرقمي، لا تحتمل التأخير ولا تقبل الاجتزاء، مؤكدة أن السردية الوطنية المكتوبة بأقلام العلم والمعرفة تسهم في تنوير الأجيال ونفي الروايات الملفقة، التي لا تشوه الحاضر والماضي فحسب، وإنما تعيق السير نحو المستقبل، لأنها تثقل كاهل الأجيال بالأوهام.
وأوضحت أن رحلة الزمن تتضمن محطات متنوعة في التكوين والطبيعة والأدوات والمعطيات، مشيرة إلى أن الإنسان الأردني عبر تلك المحطات تميز بالوعي والصمود والقدرة على التكيف.
وبيّنت أن نخبة من المؤرخين والكتّاب والباحثين والأكاديميين الأردنيين المتخصصين في عصور متعددة، قد انبروا لدراسة وتوثيق هذه المحطات، معتمدين على الدلائل والوثائق، ويقدمون خبرتهم العلمية بحيادية وعمق لخدمة الرواية الوطنية، وبناء سردية أردنية لا تقبل المزور والزائف، وتحتفي بالتاريخ والتراث باعتبارهما بحثًا في الزمن وتحولات الحضارة وتطورها الدائم.
وفي إطار إشراك المواطنين عبر منصة «قصص من الأردن»، أكدت أن الإيمان بأن هذا الإرث الحضاري الإنساني هو ملك للمجتمع بأكمله وليس للمؤسسة الرسمية فقط، مشيرة إلى أن المواطنين يشاركون في كتابة هذه السردية وتقديمها من الأجداد إلى الأحفاد، مع الحرص الشديد على أن تقدم السردية كل ما هو حضاري ونقي، لتكون مرجعًا تستقي منه الأجيال النموذج الأسمى.
وأضافت أن المنصة الإلكترونية التفاعلية «قصص من الأردن» تتيح لجميع المواطنين سرد حكاياتهم وتجاربهم، على أن تخضع هذه الإضافات لرقابة علمية من قبل لجنة متخصصة من الباحثين والكتّاب والأكاديميين المختصين بتاريخ وتراث الأردن، بهدف ضبط إيقاع المحتوى المضاف قبل نشره، واستبعاد كل ما يمكن أن يشوه نسق السردية وصفاء محتواها، مؤكدة أنه لا يُنشر عبر المنصة إلا المحتوى المراجع والمدقق علميًا.
وعن انعكاس المشروع على وعي الشباب، قالت إن الشباب يتميزون دائمًا بالإقدام والشجاعة والطاقة الإيجابية، ومحبتهم الصادقة للوطن، وسعيهم الدائم لتعزيز هذا الشعور، مشيرة إلى أن السردية الوطنية تشكل مشروعًا جامعًا يكوّن الشباب ضمانة لاستمرارها من خلال التفاعل الدائم معها.
وبيّنت أن السردية تغذي شعور الشباب الجياش تجاه الوطن، وتعرّفهم بمواقع الاحتفال به زمانيًا ومكانيًا، وتسلط الضوء على الرموز الوطنية والنماذج المضيئة التي قدمت منجزات بارزة، ما يدفع الشباب إلى محاكاتها والسير على نهجها، مؤكدة أن السردية الوطنية تمثل احتفالًا متجددًا بالأردن قيادةً وإنسانًا وجغرافيا، وتتسع لكل هذا المنجز والجمال.
خط الدفاع الأول في معركة الوعي
من جانبه أكد وزير الثقافة الأردني السابق الدكتور صلاح جرار أن إطلاق مشروع توثيق السردية الأردنية يأتي في وقت نحن في أمسّ الحاجة فيه إلى إطلاق سرديتنا الوطنية الخاصة، في ظل ظهور سرديات طارئة لا علاقة لها بالمكان ولا بالإنسان، تسعى إلى فرض روايات مزيفة تخدم أجندات سياسية وتوسعية.
وقال جرار خلال حديثه لـ”صدى الشعب” إن الصهيونية العالمية والكيان الصهيوني المحتل للأرض العربية في فلسطين وأجزاء من البلدان العربية المجاورة، يحاولان ابتداع سردية خاصة يبنيان عليها مشروعية الاحتلال والتوسع، مشيرًا إلى أن الصهاينة لم يخفوا أهدافهم التوسعية ضمن ما يسمونه سرديتهم الخاصة المزيفة.
وأضاف أن إطلاق السردية الوطنية الأردنية يشكل شرطًا أساسيًا لمواجهة التهديدات والتحديات المتوقعة، ويكتسب أهمية استراتيجية بالغة في المحافظة على الهوية الوطنية وصيانة الذاكرة الجمعية وتعزيزها، مؤكدًا أن من شروط نجاح هذه السردية الحرص على ربطها بالسردية العربية الشاملة، ولا سيما سرديات البلدان العربية المجاورة، بما يعزز وحدة الرواية التاريخية والثقافية للمنطقة.
البحث في الجذور يكشف زيف الروايات المفبركة
وأشار جرار إلى أن السردية، بوصفها صناعة وطنية جماعية تتشكل عبر الأجيال المتعاقبة، تتطلب إشراك المواطن الأردني في صياغتها، من خلال ما يسهم به كل فرد من قصص وتجارب يضيفها إلى محتوى المنصة المخصصة لذلك، بما يرسخ مفهوم الشراكة المجتمعية في بناء الذاكرة الوطنية.
وبيّن أن أكثر ما يخدم إطلاق هذه السردية هو التعمق في البحث عن الجذور، من خلال الاعتماد على المصادر التاريخية والتراثية، والتنقيبات الآثارية، وكتب الرحالة والأدباء، موضحًا أن مثل هذه المصادر تشكل الشاهد الأقوى حضورًا على كل عنصر من عناصر السردية الوطنية.
وأكد أن التجذر في المكان عبر العصور هو ما يكشف زيف السرديات التي يسعى الصهاينة إلى اختلاقها لتسويغ ممارساتهم العدوانية والاحتلالية، مشددًا على أن توثيق السردية الأردنية على أسس علمية راسخة يمثل خط دفاع معرفي وثقافي في مواجهة محاولات طمس الهوية وتشويه التاريخ.






