البشير لـ”صدى الشعب”: الأسر تتكيف بتقليص الاستهلاك وتأجيل القرارات الكبرى
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
مع تواصل ارتفاع التكاليف المعيشية، يجد المواطن نفسه أمام معادلة مالية معقدة، حيث تتصادم الاحتياجات اليومية مع الطموحات طويلة الأمد، فالأعباء الاقتصادية المتزايدة، من إيجارات وفواتير ومصاريف أساسية، لم تعد مجرد ضغط مؤقت، بل أصبحت عاملاً محورياً يعيد تشكيل أولويات الأسر ويؤثر على قرارات مصيرية مثل شراء مسكن، أو تأسيس مشروع.
ويبرز التساؤل هل هذا التأجيل المتكرر للخطوات الاقتصادية الكبرى هو خيار استراتيجي قائم على التخطيط والحذر، أم انعكاس مباشر لضغوط مالية متصاعدة تقيد قدرة الفرد على التخطيط لمستقبله، كما تثير هذه الظاهرة جدلية أوسع حول سلوكيات الادخار والإنفاق للأسر الأردنية، ومدى كفاية السياسات الاقتصادية لمواجهة آثار التضخم والارتفاع المتواصل في كلفة المعيشة.
وكان البنك الدولي قد ثبَّت العام الماضي تصنيف الأردن ضمن الدول ذات الدخل المتوسط المنخفض للعام الثالث على التوالي بعد أن كان ضمن فئة الدخل المتوسط المرتفع خلال الفترة 2017–2022، فيما عرَّف البنك الاقتصادات ذات الدخل المتوسط المنخفض بالنسبة للسنة المالية الحالية 2026، بتلك التي يبلغ نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي فيها بين 1136 دولاراً أميركياً و4495 دولاراً أميركياً.
هيكل الاقتصاد يعاني من مشكلات جوهرية انعكست على الأسر
في هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي محمد البشير أن ميزانيات الأسر الأردنية تواجه ضغوطًا شديدة نتيجة الوضع الاقتصادي العام، مشيرًا إلى أن هيكل الاقتصاد الأردني يعاني من مشكلات جوهرية انعكست على القدرة الشرائية للأسر، لا سيما مع ارتفاع معدلات البطالة وضعف قدرة المؤسسات الاقتصادية على تلبية احتياجات المواطنين من الدخل.
وأوضح البشير خلال حديثه لـ”صدى الشعب” أن هذه الضغوط انعكست على قدرة الأسر على التعامل مع سلّة الاستهلاك المتنوعة، سواء على صعيد المواد الغذائية أو الخدمات الأساسية والكلاسيكية مثل الصحة والتعليم والنقل، بالإضافة إلى الخدمات الإلكترونية مثل الإنترنت وغيرها، والتي أصبحت تشكل عبئًا متزايدًا على ميزانية الأسرة، في ظل ثبات مستوى الدخل مقارنةً بارتفاع الأسعار.
وأشار إلى أن البطالة لا تقتصر على الأشخاص العاطلين عن العمل فحسب، بل تمثل أيضًا ضغطًا إضافيًا على الأسر التي تضطر لتغطية احتياجات هؤلاء الأفراد، ما يزيد من العبء المالي على الأسر.
وأضاف أن ارتفاع أسعار السلع عالميًا بسبب سياسات رأس المال والحروب الاقتصادية، إلى جانب هيكل الاقتصاد الأردني الذي يركز على الخدمات أكثر من الإنتاج، أدى إلى مزيد من الضغط على الأسر.
ولفت إلى أن الأسر الأردنية تحاول التكيف مع هذه الظروف من خلال تقليص الاستهلاك وتأجيل شراء بعض السلع والخدمات، وهو ما يظهر بوضوح في التأجيل المتكرر لقرارات الزواج وفتح بيت جديد، نظرًا للنفقات الكبيرة التي تتطلبها هذه الخطوات.
مديونية الأفراد في الأردن 15 مليار دينار
وأوضح أن ارتفاع القروض الشخصية في الأردن، الذي تجاوز 15 مليار دينار، يمثل جانبًا آخر من الضغوط المالية، سواء كانت هذه القروض موجهة للسكن أو لتغطية احتياجات التعليم والصحة والنقل، بما في ذلك اقتناء سيارات أصبحت ضرورة إنتاجية وليست مجرد رفاهية.
واعتبر أن السياسات المالية الحكومية، خاصة على صعيد الضرائب، تشكل عبئًا إضافيًا على الأسر، حيث يدفع المواطنون ثمنًا غاليًا مقابل السلع الاستهلاكية والطاقة والفوائد على القروض، ما ينهك ميزانيات الأسر ويجعل مواجهة التحديات اليومية أكثر صعوبة.
وأشار إلى أن هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى إعادة الأسر ترتيب أولوياتها، مع التركيز على ما هو ضروري وتأجيل الاستهلاك غير الضروري، مؤكداً أن هذا التكيف ليس خيارًا رفاهيًا بل ضرورة اقتصادية حتمية لمواجهة الواقع المالي الصعب.
وتشير آخر بيانات صادرة عن دائرة الإحصاءات العامة إلى أن معدل البطالة الكلي للسكان (أردنيين وغير أردنيين) بلغ 16.2 % خلال الربع الثالث من عام 2025، بانخفاض مقداره 0.1 نقطة مئوية عن الربع الثالث من عام 2024، والذي بلغ آنذاك 16.3 %، وبانخفاض مقداره 0.3 نقطة مئوية عن الربع الثاني من عام 2025.






