صدى الشعب – كتبت آيه سلمان الحراحشه
في برنامج شاعر المليون أطلق الدكتور غسان الحسن مقولة أثارت جدلاً واسعاً حول مكانة الشاعر الأردني البدوي في المشهد الثقافي . وهنا لا أكتب دفاعاً ولا رداً انفعالياً ، بل أقمت تفسيراً قائماً على واقع ثقافي وقراءة بلاغية عميقة بعيدة عن السطحية .
فالمقولة إذا نُزِعت من حدّتها اللفظية ، لا تحاكم الموهبة ولا تنتقص من جوهر الشعر ، بل تُشير إلى أزمة حضور لا أزمة إبداع .
القيمة الأدبية لا تُقاس بالنص وحده بل بمدى تداوله و بالمنصات التي تحمله ، وبالوعي الجمعي الذي يمنحه الاعتراف . وحين يُترك الشاعر بلا منبر ، يصبح صوته معلقاً بين الصدق والصمت حاضرًا في القصيدة غائبًا في المجتمع .
المقصد الثقافي هنا هو توصيف واقعٍ تتراجع فيه السلطة الرمزية للشعر ، لا لأن القصائد فقدت جمالها ، بل لأن البيئة الثقافية قصّرت في صناعة صورتها . إنّه اتهام للفراغ المؤسسي ، لا للمبدع و تشريح لغياب الدعم ، وضعف الرعاية ، وانقطاع الجسر بين الكلمة والناس .
أما أدبياً فالمعنى أعمق
الشعر الذي لا يجد طريقه إلى الوجدان العام يفقد أثره، لا قيمته . فالقصيدة قد تكون مكتملة فنيًا ، لكنها إن بقيت حبيسة الهامش ، ظُلِمت مرتين : مرة حين كُتبت خارج الضوء ، ومرة حين تُرك أثرها بلا امتداد.
وعليه، فهذه القراءة لا تُنكر الإبداع ، ولا تُبرّئ الواقع الثقافي في الأردن ، بل تضع العبارة في سياقها الصحيح انه ( تشخيص موجع لحالة ثقافية تحتاج إلى مراجعة ) فورية من قبل الجهات الثقافية المختصة في الأردن ، لا حكمًا قاطعًا على شاعرٍ أو وطنٍ أو قصيدة.
ومع ذلك يبقى برنامج شاعر المليون منبراً داعماً أسهم في إيصال أصوات شعرية كثيرة إلى الضوء ، ومنح الشعر مساحة حضور عربية واسعة . وهو تجربة لا يُنكر أثرها في دعم الإبداع و فتح الأبواب أمام الموهوبين.
و أملي بعد كل هذا الجدل أن تكون هذه القراءة دافعاً لا قطيعة ، وأن تنشط الساحة الشعرية الأردنية ، ولا سيما في مجال الشعر النبطي ، بما يليق بثقله وأثره في الذاكرة الشعبية . فالشعر النبطي ليس هامشاً ثقافياً ، بل امتداد لهويةٍ راسخة ، وتاريخٍ قال كلمته في الفرح والحزن و في الحكمة و الذكاء ، في البادية والمدينة . إن دعم الشعراء ليس منّة ، بل واجب ثقافي ، يليق بتاريخ الشعر الأردني ، ويعيد للكلمة مكانتها ، وللشاعر والشاعره حضورهم ، وللمنبر دوره الحقيقي .







