صدى الشعب - سلمى الناطور
لم تكن جنازة عادية تلك التي شهدتها مدينة غزة في الرابع من آب/أغسطس؛ فالمشيّعون لم يحملوا جثمانًا أو جثمانين، بل ساروا خلف 112 جثمانًا ورفاتًا انتُشلت من تحت ركام مربع سكني في حي الصبرة، بعد نحو ثلاثة أعوام من القصف العدواني للاحتلال الاسرائيلي الذي حوّل بيوت عائلتي الحساينة وأبو شريعة إلى كتلة من الركام.
وكان يفترض أن يكون الموت نهاية الحكاية، وأن يُنتشل الجثمان، ويُغسّل، ويُلفّ بالكفن، ويُصلّى عليه، ثم يُوارى الثرى، لتبدأ العائلة رحلة الحزن، لكن في غزة، لم يعد الموت نهايةً لأي شيء؛ فحتى الجثامين احتاجت إلى انتظار طويل كي تصل إلى قبورها.
في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، استهدف قصف للاحتلال الاسرائيلي مربعًا سكنيًا في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، وبحسب ما نقله الدفاع المدني في غزة، بلغ عدد من استشهدوا في المجزرة 308 أشخاص، بينهم أطفال ونساء ومسنون، بعدما دُمّر المربع السكني بالكامل.
لكن الجريمة لم تنتهِ يومها، بقيت الجثامين تحت الركام، فيما اصطدمت محاولات انتشالها بواقع آخر من الحرب، نقص المعدات الثقيلة، وحجم الدمار، وخطورة المباني المهدمة، وعدم قدرة طواقم الإنقاذ على الوصول إلى كثير من المواقع.
ومع بدء عمليات البحث والانتشال لاحقًا، تمكنت طواقم الدفاع المدني من العثور على 112 جثمانًا ورفاتًا من الموقع، قبل أن تُوارى في مقبرة جماعية، بينما ظل مصير آخرين مجهولًا أو بقيت جثامينهم تحت الأنقاض.
جنازة تأخرت أكثر من عامين
المشهد الأكثر قسوة لم يكن في عدد النعوش وحده، بل في الزمن الذي فصل بين القتل والدفن.
أن يُقتل الإنسان في لحظة قصف، ثم تنتظر عائلته أكثر من عامين حتى تتمكن من دفنه، يعني أن الحرب لم تقتل الضحية مرة واحدة؛ بل تركت الموت مفتوحًا على الزمن.
في الرابع من آب/أغسطس، اصطفّت النعوش والرفات في المكان نفسه الذي كان يومًا حيًا سكنيًا يعج بالحياة، وجوه غابت، وبيوت اختفت، وأسماء بقيت معلقة في انتظار أن تستعيد أجساد أصحابها حقها الأخير، أن تُدفن.
ووفق إفادات الدفاع المدني، كانت عمليات الانتشال شديدة الصعوبة، بسبب محدودية الآليات والمعدات، وفي بعض الحالات، تعذّر التعرف إلى الضحايا إلا من خلال الملابس والمقتنيات الشخصية.
وهنا تتحول صورة الجنازة من مشهد لتوديع الشهداء إلى صورة تختصر جانبًا آخر من المأساة الفلسطينية، الموت في غزة لا يُقاس فقط بعدد من سقطوا، بل أيضًا بعدد من لم يتمكن أحد من الوصول إليهم.
112 جثمانًا… ومئات الأسماء التي لم تصل إلى القبر
حين يُقال إن 112 جثمانًا دُفنت، قد يبدو الرقم في ذاته هائلًا. لكنه يصبح أكثر قسوة حين يوضع إلى جانب الرقم الذي سبق الجنازة.
308 أشخاص، وفق معطيات الدفاع المدني، كانوا في ذلك المربع السكني لحظة استهدافه، بينما لم تتمكن عمليات الانتشال من الوصول إلا إلى جزء من الضحايا حتى الآن، وهكذا تصبح الجنازة نفسها ناقصة، فوراء كل نعش اسم، ووراء كل اسم عائلة، ووراء كل عائلة بيتٌ كان قائمًا قبل أن يتحول إلى ركام.
لم يكن هؤلاء مجموعة من الأرقام. كان بينهم أطفال لم يكبروا، ونساء لم يعدن إلى بيوتهن، ومسنون حملوا ذاكرة عائلاتهم، وأفراد من أسر واحدة قضوا معًا في المكان ذاته.
إنها واحدة من أكثر الصور قسوة في حرب غزة، عائلات كاملة تُقتل، ثم لا تجد عائلاتها حتى أجسادًا كاملة لتودّعها.
حين يتحول الركام إلى مقبرة مفتوحة
قصة الصبرة ليست استثناءً منفصلًا عن المشهد العام، فالدفاع المدني في غزة لا يزال يتحدث عن آلاف الجثامين العالقة تحت الأنقاض، وسط عجز كبير في المعدات والآليات اللازمة للوصول إليها.
وهذا يعني أن الركام في غزة لا يخفي البيوت وحدها، إنه يخفي الموتى أيضًا، ويجعل من عمليات البحث والإنقاذ مهمة تتجاوز إنقاذ الأحياء إلى محاولة استعادة كرامة من رحلوا.
فدفن الميت ليس تفصيلًا ثانويًا في أي مجتمع، ولا شأنًا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية. إنه حق إنساني، وواجب تجاه العائلات، وجزء من حفظ كرامة الإنسان بعد موته.
لكن غزة وجدت نفسها أمام واقع مختلف آلاف الأجساد تحت طبقات الخرسانة، وآليات قليلة، ودمار هائل، ومساحات واسعة لا تزال عمليات الوصول إليها شديدة التعقيد.
أكثر من 73 ألف شهيد… والرقم لا يحكي القصة كاملة
وبحلول تموز/يوليو 2026، تجاوزت حصيلة الشهداء الذين وصلوا إلى المستشفيات وسُجلت أسماؤهم 73 ألفًا منذ بدء حرب الابادة التي شنها الاحتلال الاسرائيلي في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وفق أرقام وزارة الصحة في غزة نقلتها مصادر إعلامية، وفي الوقت ذاته، ظلت الوزارة تؤكد وجود ضحايا تحت الركام وفي الطرقات لا تستطيع طواقم الإسعاف والدفاع المدني الوصول إليهم.
وهنا تكمن المشكلة في قراءة أرقام الحرب، فالرقم المعلن هو، في جانب منه، عدد من أمكن الوصول إليهم وتسجيلهم، أما من بقي تحت الركام، فلا يظهر بالطريقة نفسها في الجداول والإحصاءات اليومية، وهكذا يصبح السؤال أكبر من كم عدد الذين قُتلوا، السؤال هو كم إنسانًا مات ولم تستطع غزة حتى الآن أن تصل إلى جثمانه.
موتٌ مؤجل… وذاكرة لا تجد أصحابها
في غزة، لم تعد العائلات تبحث فقط عن ناجين، هناك عائلات تبحث عن أب، وأم، وطفل، وشقيق، وزوج، وعن أي شيء يمكن أن يثبت أن صاحب الاسم الذي تحمله العائلة كان هنا ذات يوم، أحيانًا تكون الملابس هي الدليل، وأحيانًا تكون قطعة حلي، وأحيانًا لا يبقى شيء يمكن التعرف إليه، وفي حالات أخرى، لا يوجد حتى هذا، ويبقى الاسم فقط، اسم في سجل عائلة وصورة على هاتف، وذاكرة لا تعرف أين انتهى جسد صاحبها.
ولهذا فإن قضية المفقودين تحت الأنقاض ليست فصلًا ثانويًا من الحرب، بل واحدة من أكثر وجوهها قسوة؛ لأن الغياب هنا لا يمنح العائلة حتى يقين الفقد، لا قبر، ولا جنازة، لا مكان محدد للوقوف والدعاء، فقط سؤال مفتوح منذ سنوات أين هو.
الجنازة التي كشفت ما هو أكبر منها
ربما لهذا السبب لا تكمن أهمية جنازة الحساينة وأبو شريعة في أنها ضمت 112 جثمانًا ورفاتًا فحسب، أهميتها أنها كشفت، في مشهد واحد، حجم مأساة أوسع من الجنازة نفسها، 112 جثمانًا وصلت أخيرًا إلى قبورها، بينما لا تزال أسماء أخرى معلقة بين السجل والركام، عائلة استطاعت أن تقول هذا هو فقيدنا 112، وعائلات أخرى لا تزال تنتظر
وهنا تصبح الجنازة، على نحوٍ متناقض، أقل من حجم الموت الذي تحاول أن تودعه، فكل نعش فيها لا يمثل شخصًا واحدًا فقط؛ بل يمثل حياة كاملة انقطعت، وعائلة كاملة تغيّرت، وبيتًا كاملًا لم يعد موجودًا
وإذا كان القصف قد أسقط الجدران في دقائق، فإن انتشال الجثامين احتاج إلى سنوات، تلك وحدها تختصر شيئًا من حجم الكارثة
في غزة، حتى الموتى ينتظرون دورهم، بعد كل هذه السنوات، لا تبدو صورة 112 نعشًا وهي تسير في شوارع غزة صورة نهاية، إنها تذكير بأن الحرب تركت وراءها موتى لم يُدفنوا بعد، وأسماء لم تُغلق حكاياتها، وعائلات لم تحصل على حقها الطبيعي في الوداع.
وربما كان المشهد الأكثر قسوة أن بعض هؤلاء الشهداء الذين شُيّعت جثامينهم أخيرًا كانوا قد قُتلوا قبل سنوات، لكن عائلاتهم اضطرت إلى انتظار طويل كي تعرف أن أبناءها لم يعودوا تحت الركام فقط، بل أصبح لهم قبر يمكن زيارته.
في أماكن أخرى من العالم، يُقاس انتهاء الحرب بانتهاء القصف، أما في غزة، فحتى بعد توقف القصف، يبقى هناك عمل طويل أمام الناس: البحث عن المفقودين، وانتشال الجثامين، والتعرف إلى أصحابها، ودفنهم، ثم محاولة إعادة بناء حياة لم يعد فيها كثير ممن كانوا يصنعونها.
وهكذا، لم تعد المعركة في غزة فقط على إنقاذ من يمكن إنقاذه، هناك معركة أخرى تجري تحت الأنقاض: معركة استعادة الموتى من أجل أن يحصلوا، أخيرًا، على حقهم في أن يكون لهم قبر واسم ووداع.
112 جثمانًا دُفنت لكن الحكاية لم تُدفن معها، فوراء كل جثمان عائلة، ووراء كل مفقود سؤال، ووراء كل قبر جديد ذاكرة مدينة كاملة تحاول أن تثبت أن الذين غيّبهم الركام كانوا هنا، وأنهم لم يكونوا أرقامًا.














