أبو عيشة لـ(صدى الشعب):شومان تقود مشهد المعرفة وتوسّع الوصول إلى الثقافة في الأردن والمنطقة
صدى الشعب- أسيل جمال الطراونة
في وقت تتسارع فيه التحولات المعرفية والثقافية، تبرز مؤسسات تلعب دورًا محوريًا في بناء الوعي وتعزيز حضور الثقافة في المجتمع، ومن بينها مؤسسة عبد الحميد شومان التي شكلت نموذجًا متكاملًا في دعم المعرفة والإبداع.
تقول فرح أبو عيشة، مديرة الاتصال والتسويق في مؤسسة عبد الحميد شومان، إن المؤسسة لم تنطلق بوصفها مبنى أو برنامجًا، بل كفكرة بسيطة وعميقة في آنٍ معًا، تقوم على أن الاستثمار في الإنسان، في عقله وقدرته على التفكير والإبداع، هو الطريق الأكثر رسوخًا للتنمية والازدهار.
قصة مؤسسة عبد الحميد شومان: من فكرة إلى منظومة معرفية متكاملة
وتوضح أبو عيشة أن المؤسسة، وبعد ما يقارب خمسة عقود، أصبحت منظومة وطنية وعربية متكاملة للمعرفة والثقافة والتعلّم والإبداع، حيث تمثل منصة مفتوحة تجمع بين البحث العلمي، والقراءة، والفنون، والحوار، ضمن رؤية موحدة تؤكد أن الثقافة حق للجميع.
وتضيف أن شومان لم تعد مجرد مؤسسة تقدم برامج منفصلة، بل تحولت إلى نظام حي يسهم في تشكيل الوعي، وإتاحة المعرفة، وبناء رأس المال الفكري، إلى جانب توفير مساحات آمنة للحوار الحر والتفكير النقدي، ما جعلها لاعبًا فاعلًا في التنمية الثقافية والعلمية في الأردن وفلسطين والوطن العربي.
وفي حديثها عن البدايات، تشير أبو عيشة إلى أن تأسيس المؤسسة جاء في سبعينيات القرن الماضي، في ظل تحديات تنموية عميقة شهدتها المنطقة العربية، حيث برزت الحاجة إلى نهضة علمية وثقافية موازية للنمو الاقتصادي.
وتبين أن فكرة المؤسسة انطلقت من إيمان البنك العربي بأن العلم والفكر يشكلان المحرك الأساسي للازدهار الاقتصادي والاجتماعي، لتبدأ الرحلة من دعم البحث العلمي باعتباره حجر الأساس لأي تقدم.
وفي هذا السياق، أُطلقت عام 1982 جائزة عبد الحميد شومان للباحثين العرب، كأول جائزة عربية مرموقة تحتفي بالعقل العربي وتعيد الاعتبار للعلماء والباحثين بوصفهم صُنّاع المستقبل.
وتلفت إلى أن الحاجة لم تقتصر على التكريم، بل امتدت لبناء منظومة معرفة متكاملة تعالج فجوات الوصول، وتكسر مركزية الثقافة، وتفتح أبواب التعلّم أمام الجميع، بمختلف الفئات العمرية وفي مختلف المناطق.
كيف تطورت شومان؟ من مبادرات نوعية إلى منظومة متكاملة
وتوضح أبو عيشة أن المؤسسة تطورت على مدى السنوات استجابة لتحولات المجتمع وأسئلته المتجددة، حيث أطلقت أول مكتبة عامة محوسبة في الأردن، والتي تطورت لاحقًا لتصبح مساحة يومية مفتوحة يلتقي فيها الطلبة والباحثون والأسر.
وتضيف أن مفهوم الوصول إلى المعرفة لم يعد محصورًا بفئة عمرية محددة، بل يبدأ منذ الطفولة من خلال مكتبات الأطفال واليافعين ومختبرات الابتكار، حيث تُقدَّم المعرفة كتجربة وممارسة يومية.
كما تشير إلى تطور البرامج الثقافية لتشمل شبكة متكاملة تضم منتديات للحوار، وسينما تطرح قضايا الواقع، وأنشطة موسيقية تعزز التعدد الثقافي، إلى جانب منح ثقافية تسهم في إعادة توجيه الفعل الثقافي نحو المجتمع.
وتؤكد أبو عيشة أن نموذج شومان يقوم على التكامل والتشاركية والعمل مع المجتمع المحلي، انطلاقًا من إيمان المؤسسة بأن التغيير الحقيقي ينبع من الداخل، ومن الناس أنفسهم، وليس فقط من أعلى.
وتبين أن المؤسسة أسهمت محليًا في ترسيخ القراءة كعادة مجتمعية، ودعم البحث العلمي كأولوية وطنية، وتمكين العاملين في القطاع الثقافي، إضافة إلى خلق مساحات مستدامة للحوار والمشاركة العامة.
وعلى المستوى العربي، أصبحت شومان منصة عابرة للحدود، تدعم الباحثين والمبدعين العرب، وتسهم في إنتاج المحتوى العربي، وتعزز دور الثقافة كقوة ناعمة فاعلة.
وتشير إلى أن الأثر الأعمق تمثل في بناء قاعدة واسعة من الباحثين والمفكرين والمبدعين، وتعزيز التماسك الاجتماعي من خلال مساحات معرفية مشتركة، إلى جانب إيصال الثقافة إلى المناطق المهمشة عبر التوسع في إنشاء مكتبات خارج العاصمة عمّان.
تأثير بالأرقام: مؤشرات على أثر مجتمعي واسع
وتؤكد أبو عيشة أن أثر المؤسسة لم يكن رمزيًا، بل ملموسًا، حيث استفاد ملايين الأشخاص من برامجها ومساحاتها الثقافية، فيما تسجل المكتبات مئات الآلاف من الزوار سنويًا.
كما استفاد مئات الآلاف من الأطفال من برامج القراءة والاكتشاف، وحصل مئات الباحثين والفنانين على دعم ومنصات للظهور، في حين امتد الانتشار الجغرافي ليشمل معظم محافظات الأردن، إلى جانب فلسطين والوطن العربي عبر الشراكات والبرامج المتنقلة.
وتوضح أن هذه الأرقام لا تختصر القصة، لكنها تعكس تحول المبادرة إلى تأثير مجتمعي واسع على مستوى الوعي والممارسة.
المستقبل: التحول الرقمي وتعزيز الحضور العربي
وفيما يتعلق بالرؤية المستقبلية، تشير أبو عيشة إلى أن المؤسسة تدرك التحولات المتسارعة في عالم المعرفة، خاصة مع تطور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ما يدفعها نحو تعميق التحول الرقمي ودعم إنتاج محتوى عربي نوعي.
وتؤكد أن المؤسسة تسعى لتعزيز حضورها كممثل أردني وعربي في المشهد الثقافي الإقليمي والدولي، مع التأكيد على أن التكنولوجيا ليست بديلًا عن الإنسان، بل أداة تعزز قدرته على الوصول والمعرفة.
كما تعمل المؤسسة على التأثير في السياسات الثقافية والعلمية، وتعزيز الشراكات الوطنية، وبناء مجتمعات عربية أكثر وعيًا وقدرة على الإنتاج الثقافي والعلمي.
قصة مستمرة: الثقافة ليست ترفًا والمعرفة ليست امتيازًا
وتختتم أبو عيشة حديثها بالتأكيد على أن قصة مؤسسة عبد الحميد شومان هي قصة إيمان طويل بأن الثقافة ليست ترفًا، وأن المعرفة ليست امتيازًا، بل حق للجميع.
وتشير إلى أن المؤسسة لم تبنِ مجدها بعدد البرامج، بل بقدرتها على تغيير حياة الأفراد وإضاءة العقول وبناء مساحات أمل، مؤكدة أنه ومع اقترابها من عامها الخمسين، فإنها لا تنظر إلى الماضي كإنجاز مكتمل، بل إلى المستقبل كمسؤولية مستمرة.









