صدى الشعب – كتبت نور الدويري
تعتمد الاستراتيجيات العسكرية الحديثة على فرضية واضحة: الإطاحة بالقيادة تُضعف، وربما تُسقط، الجسم ككل.
ومع ذلك، فإن هذه الفرضية، على الرغم من فعاليتها في سياقات تاريخية وسياسية معينة، لا تنطبق دائماً على المجتمعات التي تمتلك هياكل شبكية عميقة، خاصة في الشرق الأوسط. الأنظمة السياسية في دول مثل إيران أو الحركات مثل حماس وحزب الله لا تقوم فقط على قيادة هرمية يمكن إسقاطها بضربة دقيقة، بل تعتمد على أنظمة اجتماعية وثقافية مترابطة تتجاوز الفرد مهما كانت رمزيته.
قد يؤدي الاغتيال السياسي إلى صدمة، وتعميق الانقسام، وربما إعادة تشكيل التوازنات الداخلية، والتأثير على القدرة على الردع. ومع ذلك، فإنه لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الهيكل بأكمله. هذه الكيانات لا يمكن اختزالها في أفراد مهما كانت قيمتهم الرمزية؛ فهي موجودة ضمن شبكات الولاء، والمؤسسات، والسرديات الدينية أو الوطنية، والهوية الجماعية التي ترى التهديدات الخارجية كعامل تحفيزي وليس كمزعزع للاستقرار.
تختلف الأنظمة الشرقية عن النماذج الغربية في بعض الخصائص، لكنها ليست مطلقة؛ فهي نماذج سياسية وسيادية أبويّة، مبنية على شبكات من الدوائر المترابطة: الأسرة بالمعنى البنيوي، الجماعة الموسعة، القبيلة أو الطائفة الدينية، ودور الشباب والنساء في وظائف محددة. تمنح هذه السلاسل النظام القدرة على الصمود، وقدرته على التحمل أكبر مما قد تتوقعه المقاربات الغربية التقليدية.
يميل النهج الأمني الغربي—سواء في الولايات المتحدة أو إسرائيل—إلى رؤية الصراع على أنه معادلة ردع وقدرة نيران، وإعادة تشكيل لقواعد الاشتباك. هذا النهج ليس ساذجاً؛ فهو يدرك أن إسقاط الأنظمة لا يمكن تحقيقه بضربة واحدة، لكنه يراهن على الاستنزاف الطويل، والضغط الاقتصادي، وتآكل الشرعية الداخلية. ومع ذلك، يبقى السؤال: هل هذا التآكل يغير النتائج الكلية، أم أن النظام قادر على التكيف ضمن بنيته الاجتماعية؟
الاعتماد على التفكيك الخارجي له تأثير محدود إذا غابت الظروف الداخلية المهيأة للتحول. تميل المجتمعات التي تتمتع بهياكل أسرية ودينية وقبلية متماسكة إلى إعادة إنتاج نفسها في مواجهة التهديد. قد يمنح التدخل الخارجي السلطة الحاكمة شرعية إضافية باعتبارها “خط الدفاع” عن الهوية الجماعية، لكنه نادراً ما يغير السلاسل البنيوية الأساسية.
هذا لا يعني أن الأنظمة منيعة ضد الانهيار، ولا أن السكان راضون تماماً عن قيادتهم؛ بل يعني أن آليات التغيير غالباً ما تكون مولدة داخلياً وقد تتطور عبر تراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية طويلة الأمد. يظهر التاريخ أن الانهيارات الكبرى لم تحدث نتيجة ضربة عسكرية نظيفة، بل نتيجة تراكم طويل لعوامل متعددة.
إمكانية جرّ المنطقة إلى حرب شاملة هي خيار قد تدفعه الحسابات العسكرية أحياناً، لكنه يتصادم مع حسابات اجتماعية وسياسية أكثر تعقيداً. كثير من دول الشرق الأوسط لا تتصرف فقط بناءً على قرار الحاكم أو المؤسسة العسكرية، بل وفق توازنات داخلية دقيقة، وشبكات مصالح، وحساسيات تاريخية، ما يجعل الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة مقامرة عالية الكلفة. ومن ناحية أخرى، قد تكشف هذه التفاعلات عن مشاريع كانت غير موجودة أو ضعيفة، والتي يمكن أن تنتقل من التكيف إلى التنظيم، مؤثرة في التوازنات بالمنطقة العربية. بمعنى آخر، يواجه التدخل الخارجي قيوداً اجتماعية وثقافية، لكن تأثيره على التوازن الاستراتيجي العالمي يختلف بحسب توجهات القوى الكبرى.
في النهاية، التدخل العسكري وحده لن يغير التوازنات الإقليمية، وستستمر الصراعات ضمن الهياكل الاجتماعية والسياسية العميقة. وبينما قد يكون هذا هو الهدف، قد يعيد الصراع تشكيل التوازنات، وتدمير الهياكل العسكرية، وفرض الردع المتبادل، لكنه لن يمحو الهوية أو الشبكات الاجتماعية التي تولد القوة. لذلك، يبقى ما سيكون عليه الواقع الفعلي للتدخل العسكري، ومدى فعاليته لكل طرف، أمراً غير مؤكد.
الاعتماد على الحلول العسكرية وحدها يبقي المنطقة في دورة صفرية: لا نصر حاسم، ولا هزيمة نهائية، بل استنزاف طويل يزيد من التكاليف البشرية والاقتصادية للجميع.
اللغة العسكرية ترى المشهد من منظور ساحة المعركة، لكن العدسة الاجتماعية ترى أعمق: كيف تعيش المجتمعات، كيف تتماسك، وكيف تنهار—إذا انهارت.
الحروب في هذه المنطقة لا تنهي الصراعات؛ بل تعيد إنتاجها بأشكال جديدة، وقد تكشف عن مشاريع كانت مخفية أو ضعيفة لكنها الآن في طور التنظيم.
التغيير الحقيقي، إذا حدث، سيكون مدفوعاً داخلياً في النهاية—مهما اشتدت الضغوط الخارجية.






