صدى الشعب – كتبت فوز أبو سنينة
قصة قصيرة
صاروا عشرة!
مصدر فخري وجرحي النازف.. صاروا عشرة كبيرة من جرحين.. من رقمين، يخيفني صغرها ويحزنني البريق المندفع من خلجاتها وكأنه الأيام البعيدة التي لم أعشها وكانت تنتظرني عند مفترق قدر..
صاروا عشرة!
كلّ واحد منهم في علبته المخملية خمرية اللون، أو الخضراء الداكنة كماء راكد آسن في أعماق قلبٍ ضربته عفونة بعض البشر.. مجموعتي الفخرية.. انكسار روحي المهشمة.. كنزي وقيدي.. صاروا عشرة.. أخيراً..
الغريب أنه كلما امتلأ الدرج بهم، شعرت أكثر بفراغ روحي ونقص حياتي.. عرّوني واحداً تلو الآخر، وأنا أتلمس العلامات الغائرة التي تركوها على قلبي حتى غاب تحت الجراح الباهتة.. حضروا هكذا ليعلنوا غيابي بين طيات الوجع وقطرات الدمع الناشف..
من هم؟ تتساءلون.. سأعرفكم عليهم.. هم أبنائي، أبناء الضعف والانكسار.. الأزرق كان الأول بينهم.. لامعاً كلون السماء في صباح ربيعي صافٍ لا يشبه أبداً صباح العاصفة التي ابتلعتني قبل وصوله، عندما قررت بكل براءة أن أقتل الضجر بصباغة شعري الكستنائي بلون الشمس.. كلما رأيته نائماً في مخدعه يحدق بي بكل عنفوان اللون الأزرق، أتذكر صدمتي التي طغت على فرحتي بالتغيير، وحملت على خدي ثقل يده القوية وهي تهبط فوقه.. حازمة.. جائرة.. تصفعني فيبهت الحب ويغرس في الأنثى داخلي طعنته الأولى..
لا.. لا تشفقوا عليّ.. ليس بعد! انتظروا حتى أعرفكم على الأحمر، هذا الذي زيّن درجي بعد ليلة محمومة، رفضتُّ فيها انتفاض الأجساد دون احتدام المشاعر، إذ لم أكن أعرف أن ال “لا” المتعبة تكلف غالياً.. وبأنها تكلّف قائلها وسامعها.. وتعلمت تلك الليلة على خجل أن أترك نفسي لنفسها وأن أخرج منها بهدوء، فلا أشعر ولا أقاوم ولا أتذوق طعم الدم الذي نزف خيطاً رفيعاً على أطراف شفتيّ المرتجفتين..
أي الألوان تحبون؟ أيعجبكم هذا الأبيض؟ لقد زيّن مجموعتي بعد عودتنا من عشاء ابتسمتُ فيه بأدب مجامل لرجل اصطدم بي وهو يمشي على عجل، فأجج حمم الملكية في داخله غيرة واتهامات وغضب..
الأصفر؟ هو جميل جداً كدوار الشمس، لكنّي حقاً لم أستحقه أبداً على صحن أرزّ صبغه العُصفر يومها بلون داكن أكثر من العادة..
لكل منهم قصة.. قصتي.. ولكل منهم جرح نازف بلونه داخلي يحرق بمروره ما تبقى من فتاة كنتها يوماً، وتلونتْ بألوان ضعفي وقلة حيلتي واستسلامي.. كنت ضحية تفاصيل صغيرة وجميلة في بداياتها، لم أنتبه إليها و هي تجرني معصوبة العينين بالحب المغرور.. فعشت سنة كاملة.. كانت تُفرَغ فيها روحي وتمتلئ أصابعي.. هذا الأخضر مثلاً لبسته لأنني خرجت أتمشى وحيدة في الشوارع التي تزدان بالأشجار على أطرافها يمنة و يسرة.. غبية أنا! هكذا عنفني.. ضعيفة.. فريسة سهلة.. لا يجب أن أغامر وحدي في أي مكان.. فقط هو من يمكنه حمايتي.. حمايتي من نفسي ومن كل شيء سواه!
تبدلت الألوان وتعاقبت القصص.. و كنت أنا معها أستسلم أكثر.. خفت.. غضبت.. فكّرت بعد ليلة جافاني فيها النوم أن أخرج دون عودة.. أن أترك هذا البيت وألوانه دون رجعة.. وفعلاً، وبشجاعة مزيفة حضّرتُ حقيبتي وتسحبتُ خارجاً مرتعبة، ولم أكد أسير قليلاً حتى تلقاني كفّه عند أول الشارع بعينين ترعدان شراراً وخوفاً، وكلمات ملطخة بالذنب، تعلقه فوق ظهري معطفاً يخنقني حتى يمتص مني الحياة.. ثم أهداني بعد مهمتي الفاشلة تلك هذا التوباز ترابي اللون ليذكرني بأنه لا مكان لي خارج هذه الجدران سوى تحت التراب..
توقفت بعد ذلك عن المقاومة، مقاومته ومقاومة نفسي معه.. وصرت لعبة ميته في جسد حي.. أتحرك كما يريد.. ألبس ما يختار.. آكل ما يضع في طبقي.. وأتكلم فقط عندما يسألني.. لكنه صفعني ضجراً يوماً لأنه لا يعرف ماذا يريد وكيف يرضى، وليثبت حبّه لي أهداني هذا الأماتيست البنفسجي اللامع.. استسلمت بعدها أكثر، إلا فكرة ثائرة ظلت مستيقظة في داخلي تأبى أن تسلّم له.. لكنني لعنتها ولعنْتُني.. ولعنتُ أمومتي ورحمي وجسدي وكل شيء يوم عاقبني، كعادته، بعد أن قرأ أفكاري المتمردة ثم أهاداني هذا الألماس الوردي وهو يأمرني بفرط من الحب بأن أنجب له طفلة تشبهني، ليحبها بقوة كما يحبني أنا!
كلما ضعفتُ أنا تمرد هذا الشعاع في داخلي أكثر، وكأنه رماد النار المشتعلة في باطني، كلما همّت بالخمود غذّاها رفضاً وكرهاً وغضباً، حتى اكتشفت صدفة خطيئة الكلمات.. وشعرت لأول مرة بنشوة الحروف المحرمة على أمثالي، إذ إنني هكذا ذات يوم وفي نوبة يأس، وبينما كنت أذرع الصالة ذهاباً وإياباً كأسد محبوس في قفص صغير، وقعت عيني على قلم موضوع على الطاولة، يستعمله ليكتب كلمات الحب والغزل التي يتركها لي قبل أن يخرج باكراً جداً إلى عمله.. جذبني القلم كمغناطيس إليه.. استدعاني لسطوته، فاقتربت على حذر، أمسكته بيد مرتجفة وارتميت بين أحضانه عشيقاً سرياً أبوح له بأسراري.. بسقطاتي.. بحبّي وكرهي.. أعري نفسي أمامه كما لم يرني أحد من قبل.. وأقبلت على الكتابة.. أتذوق الكلمات وأمضغها فاكهة من الجنة، فمنحتني هذه اللحظات المسروقة بريقاً جديداً لم أعرفه اسمه الأمل.. وصرت أتزين لخلوتي مع حبيبي الجديد، أتعطر لأزيح عني رائحة الخوف وأنا أخلق عوالم جديدة بطلاتها يلبسن الحرية تاجاً ويبغضن جداً الخواتم والأصفاد..
في البداية، أعجب هو بهذا البريق الجديد.. بابتسامتي الخفية التي تظهر رغماً عني في لحظات سرحاني وغوصي في عوالمي الخيالية، لكنه سرعان ما بدأ يتذمر غيرة وشكاً.. عاد إلى تفتيش أغراضي بعد أن كان قد انقطع عن هذه العادة، واكتشف في لحظة إهمال مني أوراقي وقصصي التي أفرغتُ فيها روحي حرفاً حرفاً.. فجنّ جنونه.. جسده يرتجف كمن به مس، شعرت وأنا أنظر إلى وجهه، والزبد يخرج من فمه وهو يصرخ، وكأنني سهوت فأشعلت النار في جسده.. في المساء، أهداني هذا الخاتم ذا الماسة السوداء لتذكرني بلون عيني اليسرى التي تلقت يومها تعاليم درسه القاسي..
تلك الليلة لم أنم، كان رأسي أشبه بملعب بلدي، وفي الصباح جررت قدمي بصعوبة، مرات عدة فكرت بالعودة والإقلاع عن الفكرة، لكنني في النهاية وجدتني قد خرجت من مكتب الناشر بعد أن دفعت إليه بمخطوطتي القصصية، تحسست قلمي وضممته إلى قلبي، في محاولة مني للإحساس بالأمان، وفي المساء، كان عليّ أن
أدفع ثمن اندفاعي هذا ألماسة عديمة اللون، مثلي، تلك التي تزين آخر علبة في
تشكيلتي.. وتكرر المشهد مرة أخرى، إذ دوّى البرق والرعد في أرجاء المكان، وسقطتْ
زخات على الخد العاري لتهدأ بعدها العاصفة ببطء، ويسود الصمت المزيف..
صاروا عشرة.. انظروا إليهم.. قيدي ومفتاحي.. قصصي التي جمعتني في
كتاب.. أضعهم أمامكم الآن لأعلن بصوت كالحلم بأنني سأكتبني من جديد.. سأرسمني..
بداية خرجت من بين النهايات.. سأتعلم أن أعرفني.. أن أحبني.. وسأبدأ ذلك بقص شعري
الذي أراده دائماً طويلاً.. أطول وأطول، ليخفي في انسيابه آثار نقصه وعقده..
المقص في يدي له إحساس النشوة المحرمة.. ها أنا أتحرر.. تسقط الخصلات
جثثاً باردة.. أتحرر.. أتنفس بعمق.. أستعد للعاصفة الأخيرة.. أرتدي فستاني
الأسود.. أضع خواتمي في أصابعي واحداً تلو الآخر.. أتعطر بالشجاعة.. أحمل قلمي
وأخرج لأواجهه خارج قضبان غرفتي.. رأسي مرفوع.. خطواتي ثابتة.. ينظر نحوي، يراني
أخيراً كما أنا.. يلمع الذعر في عينيه..
أمشي صوبه حتى لم يعد يفصلني عنه سوى ذراع، أقف متأهبة قبالته..
–
ماذا فعلت
بشعرك يا حمقاء؟ ولماذا ترتدين الأسود؟ تعلمين كم أكرهه! أنت تغضبينني فاحذري..
حبيبتي، أنت تعرفين بأنني لا أحب أن أغضب منك.. ولكن أنت تجبرينني على ذلك.. أنت
.. أنت..
يحاول الصراخ كعادته.. لكنه يتلعثم هذه المرة ويسكت.. ينتظر أن أخفض
رأسي كعادتي لأخفف من وقع الصفعة، يمد كفّه صارخاً نحوي بعد أن استشاط غضباً،
فأغرس في يده قلمي المدبب وتصفعه يدي الأخرى المثخنة بخواتمي العشرة، فينزف دماً
بكل ألوانها ويزأر مذعوراً مما يرى في عيني.. يقع أرضاً مصعوقاً، وأكمل أنا سيري
فوقه بلا اهتمام..
من المجموعة القصصية “سجون خاصّة”






