كتب رئيس التحرير – خالد خازر الخريشا
أخيرًا وبعد طول انتظار وبعد اجتماعات وتحليلات ومؤشرات وأسعار عالمية قررت الحكومة أن تُفرِج عن فرحتها الكبرى للمواطن تنزيل سعر لتر الكاز ثلاثة قروش كاملة غير منقوصة هذا الخبر الذي احتل مساحة واسعة من منصات الاخبار.
ثلاثة قروش يا سادة لا تُدفئ مواطنًا، لكنها تُدفئ بيانًا صحفيًا لا تُخفف عن أسرة ، لكنها تُخفف عن خطاب رسمي ، لا تُغيّر واقعًا لكنها تُجمّل صورة والأجمل من القرار هو الشعور المصاحب له إنك كمواطن مطلوب منك أن تشكر.
والسؤال المشروع هنا : هل نُصفّق؟ هل نزغرد ؟ هل نُقيم احتفالًا شعبيًا في الأحياء الباردة؟ أم نكتفي بابتسامة صفراء ونقول : الله يعطيكم العافية؟ الحكومة مشكورة، لم تنسَ أن تُذكّرنا أن التسعير مرتبط بالأسواق العالمية، لكن يبدو أن الأسواق العالمية حين ترتفع تُصاب بالعدوى فورًا، وحين تنخفض … تحتاج إلى لجنة، ووقت، ودراسة أثر، وربما نشرة طقس.
نعم … ثلاثة قروش ويسجل للحكومة انها أعادت الهيبة الى العملة المعدنية من فئة القروش أطفالنا لا يعرفونها لأنها باتت غير موجودة وبصراحة رقم يستحق الوقوف احترامًا، وربما دقيقة صمت، وربما زغرودة وطنية صافية من القلب ، وبالأمس دخلت أحد المولات وشاهدت عروض على مشروب غازي جديد بسعر 30 قرش للتر والواحد يعني أرخص من لتر الكاز ب 30 قرش.
ثلاثة قروش لا تُغيّر فاتورة ولا تسد مصروف طفل في الروضة ، ولا تُدفئ بيتًا، ولا تُقنع مدفأة أن تعمل بنصف نفس ، لكنها – وهذا الأهم – تُثبت أن الحكومة معنا، تشعر بنا، وتراقب معاناتنا من فوق، من ارتفاعٍ شاهق لا نراه.
المواطن الأردني الذي يحسب شتاءه بالمديونية ، لا بعدد البطانيات، سيستيقظ اليوم على خبر تاريخي زغردت هلالة عند نزول أسعار الكاز ثم نقرأ التفاصيل… فنكتشف أن النزول أقل من سعر كيس ملح ، وأخف من وزن الوعود الموسمية.
تنكة الكاز بالنسبة لفقراء الوطن فاكهة الشتاء فهم لا يحتاجون الى ( الكاكا والكيوي والكستناء) بقدر حاجتهم الى تنكة كاز تدفيء ما تبقى من كرامتهم الشتوية ، لم تعد فاكهة الشتاء برتقالًا ولا يوسف أفندي أو موز صومالي، بل تنكة كاز تُراقَب من بعيد، تُشترى بالحذر، وتُستهلك بالتقسيط النفسي، لأن امتلاكها لم يعد أمرًا بديهيًا، بل قرارًا اقتصاديًا مؤلمًا وتنكة الكاز اليوم ليست مجرد وقود بل مؤشر طبقي من يملكها يشعر بالدفء، ومن لا يملكها يُتقن فن التعايش مع البرد وهنا لا نتحدث عن رفاهية، بل عن قدرة شرائية تآكلت، وعن سياسات جعلت التدفئة عبئًا لاحقاً.
الشتاء في الخطاب الرسمي موسم عابر، لكن في بيوت الأردنيين هو امتحان قاسٍ كم ساعة نشغّل المدفأة ؟ كم يومًا تؤجل التعبئة ؟ وكم يوم تلجأ العائلات المستورة الى التدفئة بالحرامات ومن أي بند نقتطع ثمن الدفء : الطعام أم الدواء أم ثمن قسط جامعي جاء من خلال القروض والاستدانة ؟ والحكومة تُسعّر الكاز كسلعة، لا كحاجة أساسية ترفعه بسهولة، وتُخفّضه بحذر شديد، وكأنها تخشى أن يتدفأ الناس أكثر مما ينبغي.
وحين تُعلن الحكومة خفض السعر ثلاثة قروش، يُفترض أن نشعر بالإنجاز لكن الحقيقة أن القروش لا تُدفئ البيوت، والقدرة الشرائية لا تعود بالتصريحات، بل بقرار سياسي واضح يعترف بأن الكاز وقود الفقراء واليوم، بات المواطن يقف أمام محطة الوقود كما يقف أمام بائع الفاكهة وشاهدت بعض الاطفال يشترون الكاز بعبوات لاتتجاوز حمولتها لترا واحدا ينظرون، يسألون عن السعر، ثم يقررون إن كانوا سيشتروا أو يكتفوا بالمشاهدة هكذا تحوّلت تنكة الكاز إلى رمز لشتاء قاس وسياسة باردة، وفجوة تتسع بين الدخل والحياة.
في الحكومات التي تقدر معنى الحماية الاجتماعية، تُدعَم التدفئة بلا تردد أما هنا، فنحن أمام سياسة تُراكم الضرائب في الصيف، ثم تُطالب الناس بالصبر في الشتاء تنكة الكاز ليست أزمة موسمية، بل مرآة لاقتصاد أنهك الطبقة الوسطى، ودفع الفقراء إلى حافة البرد الدائم وحين يغيب الدفء عن البيوت، لا تعود المشكلة في الطقس، بل في السياسات لان تنكة الكاز فاكهة الشتاء اصبح البعض يعجز عن تأمينها.
أن تقتنع، أن تعتبرها لفتة، أن تُدرك أن غيرك لا يملك حتى هذه القروش الثلاثة في بلد تُثقل فيه المعيشة كاهل الناس، وتُدار فيه تفاصيل الحياة بالحسّاب، يصبح الكاز قضية كرامة شتوية ، لا خبرًا اقتصاديًا عابرًا لكن يبدو أن المطلوب منا هو التفاؤل الإجباري، والفرح المعلّب، والزغرودة الرسمية.
أما الواقع؟ فسيبقى باردًا والمدافئ ستبقى حذرة والمواطن سيبقى يسأل هل هذه سياسة تسعير… أم نكتة موسمية ؟ وفي انتظار التنزيل القادم – قرشين أو أربعة سنظل نتدفأ بالصبر، فهو وحده… ما زال بلا تسعيرة.






