صدى الشعب – كتب – محمد البشتاوي – في الحياة البرلمانية والسياسية، يظلّ الاختلاف مشروعًا بل مطلوبًا، وتبقى المساءلة حقًا أصيلًا لا يستقيم العمل العام من دونه. غير أنّ الفارق بين نقدٍ وطنيٍّ مسؤول وبين خطابٍ يقتات على الضجيج ليس في حدّة الكلمات، بل في صدق المقصد، وصلابة الدليل، واحترام المؤسسات، وتقديم المصلحة العامة على حساب المكاسب الآنية.
خلال الفترة الأخيرة، بات يبرز نمطٌ متكرر: تصعيدٌ إعلاميٌّ سريع ضد مؤسسةٍ أو جهةٍ رسمية، ثم عند ظهور ردٍّ موثّق ومتوازن يعيد الوقائع إلى موضعها، يتحول النقاش إلى أساليب لا تنتج حقيقة ولا تقدم حلولًا: رفع الصوت، التهويل، وتبادل الاتهامات، وكأن الهدف ليس معالجة الخلل أو تصويب المسار، بل تسجيل موقفٍ شعبويٍّ عابر.
وتتعاظم الإشكالية حين يُقدَّم بعض الخطاب العام دون إلمامٍ كافٍ بتفاصيل الملفّات. في هذه الحالة، لا تعود المساءلة أداة إصلاح، بل تتحول إلى ارتجالٍ يضعف النقاش ويشوّه الغاية منه؛ لأن السياسة الجادة لا تُدار بالانطباعات، بل تُدار بالمعلومة والتحليل والاقتراح القابل للتنفيذ.
ومن هنا يمكن فهم ما نسميه مجازًا بـ «القلم الأسود»: وهو أسلوب في الكتابة والخطاب يركز على التشويه والتسويق للغضب أكثر مما يركز على التقويم. «القلم الأسود» لا يعني رفض النقد، بل رفض تحويل النقد إلى تجريح: أن يصبح الهدف ضرب الثقة بالمؤسسات بدل تحسين أدائها، وأن تُستبدل الأدلة بالعبارات القاسية، والمعايير بالانفعال.
وفي الملفات التي تمسّ الجامعات والطلبة—مثلًا—تبدو الحاجة أكبر إلى لغةٍ مهنية ومسؤولة. فالجامعات ليست ساحةً للمزاودة، ولا يجوز اختزالها في توصيفات جارحة تسيء للحوار وتدفع الأطراف الجادة إلى الانسحاب، فتُغلق أبواب النقاش الحقيقي الذي يحتاجه المجتمع.
كما أنّ الملفات الخدمية والاقتصادية—ومنها ملف العمل—تتطلب خطابًا يرتكز على الوقائع، يحدد مواضع الخلل ويقترح بدائل واضحة، ويمنح الرأي العام صورةً دقيقة لا مشهدًا انفعاليًا. إن الردود المتزنة القائمة على الحقائق ليست انتصارًا لطرف على آخر، بل انتصار لفكرة الدولة: دولة المؤسسات التي تُحاسَب وتُصلح وتتحسن ضمن نقدٍ مسؤول.
الدولة لا تُحمى بالصمت، كما لا تُبنى بالصراخ. تُبنى حين يُمارس النقد بضميرٍ مهني: تحديد المشكلة، عرض الأدلة، اقتراح الحلول، واحترام مؤسسات الوطن حتى ونحن نطالبها بالأفضل. أما تحويل المنبر إلى أداة للتعبئة والتشكيك دون بيّنة، فهو مسارٌ مكلف يدفع ثمنه المجتمع على المدى الطويل.
وفي النهاية، لا أحد يطلب من المعارضة أن تُصفّق، ولا من الحكومة أن تتحصّن ضد المساءلة. المطلوب فقط أن نعيد الاعتبار للمعنى الحقيقي للعمل العام: أن يكون الوطن هو الهدف، لا الجمهور المؤقت؛ وأن تكون الحقيقة هي المرجع، لا الضجيج.
وإلى متى ستبقى مؤسسات الدولة هدفًا للمزاودة والاستعراض، بدل أن تكون شريكًا في الإصلاح ضمن نقدٍ مسؤول يحترم الحقيقة والمصلحة الوطنية؟






