صدى الشعب – كتبت رولا حبش
نعيش لحظة غريبة من تاريخ الوعي الإنساني، لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل أصبح: أي نسخة مما رأيت هي التي حدثت فعلًا؟
في الأيام الأخيرة انتشر مقطعان متزامنان لـ الرئيس الشرع؛ أحدهما يظهره في المستشفى يتلقى العلاج، والآخر يظهره في السوق يمشي بين الناس.
الفيديوهان في الوقت نفسه، وبجودة عالية، وبثقة بصرية كاملة. العقل يتوقف لحظة، لأن الحواس التي طالما وثقنا بها لم تعد شاهدًا أمينًا.
هنا يدخل الذكاء الاصطناعي من أوسع أبوابه. لم يعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبح قادرًا على إنتاج واقعٍ بديل، مُقنع، ناعم، ومخيف.
الخطر لا يكمن فقط في “التزييف”، بل في السرعة التي يُزرع بها الشك داخل وعينا. AI لا يكذب علينا مباشرة، بل يربك قدرتنا على التمييز. يجعلنا نقف في المنطقة الرمادية حيث كل شيء محتمل، وكل شيء قابل للتشكيك.
كيف نميّز الحقيقة من غير الحقيقة في هذا العالم الجديد؟
أولًا، علينا أن نتعلّم التباطؤ. الذكاء الاصطناعي يعتمد على ردّ الفعل السريع، على المشاركة قبل التفكير، وعلى الانفعال قبل الفهم.
الحقيقة لا تُطالبك بالعجلة، بينما التزييف يعيش على السرعة. عندما ترى محتوى صادمًا، توقّف. اسأل نفسك: لماذا أُريد لي أن أراه الآن؟ ولماذا بهذه الطريقة؟
ثانياً، افصل بين “الإقناع البصري” و”التحقق المعرفي”. العين يمكن خداعها بسهولة، لكن العقل المدرب يسأل عن المصدر، التوقيت، السياق، ومن المستفيد من انتشار هذا المقطع. الفيديو الحقيقي لا يخاف من الأسئلة، أما المزيف فينهار أمامها.
ثالثًا، انتبه للّغة العاطفية المرافقة للمحتوى. الذكاء الاصطناعي بارع في إثارة الخوف، الغضب، أو التعاطف المفرط، لأن المشاعر العالية تُعطّل التفكير النقدي.
كلما شعرت أن المحتوى “يضغط” على عاطفتك، فاعلم أن هناك محاولة للسيطرة على انتباهك، وربما على قناعاتك.
رابعًا، درّب وعيك على قبول عدم اليقين، ليس كل ما لا نعرفه فورًا هو كذب، وليس كل ما يبدو واضحًا هو حقيقة. النضج في عصر AI يعني أن نقول أحيانًا: لا أعلم بعد. هذه الجملة البسيطة أصبحت فعل مقاومة معرفية.
نحن لا نعيش أزمة تقنية فقط، بل أزمة وعي، الذكاء الاصطناعي لن يتوقف، ولن يعود إلى الوراء. السؤال الحقيقي هو: هل سنرفع مستوى وعينا بنفس السرعة التي ترتفع بها قدراته؟
في زمن يمكن فيه لفيديو واحد أن يصنع حقيقة، وفيديو آخر أن يهدمها في اللحظة نفسها، تصبح الحقيقة مسؤولية شخصية، وليست معلومة جاهزة.
العقل الواعي اليوم لا يبحث عن ما يراه فقط، بل عن ما يُراد له أن يصدّقه






