صدى الشعب – عبدالرحمن البلاونه
تطل علينا ذكرى مولد سيد البشرية، في ظل مرحلة حرجة من الذل والهوان، من تاريخ الأمة الإسلامية، تعيشها وترزح تحت نير عدو متسلط، عاجزة ومقيدة، يدنس مقدساتها، ويفتك بأطفالها ونسائها وشيوخها، في حرب إبادة وتطهير عرقي، يستخدم كل الامكانات التكنولوجية والعسكرية، وكل ما توصل اليه العلم، ضد الأبرياء، وعلى مرأى من العالم، وفي ظل تخاذل و خضوع أمة بأسرها.
جاءت هذه الذكرى العطرة لتطل علينا، ونحن في ظل حالة مأساوية، تُدمي القلب، ويندى لها الجبين، ويعتصر القلب ألماً وحزناً، يموت فيها الأطفال من العطش والتجويع وسوء التغذية، نتيجة للحصار والمجاعة التي يفرضها عليهم أعداء الله وأعداء البشرية، ويمنعون وصول الأغذية والأدوية اليهم، ويغلقون أمامهم جميع المنافذ، ويقصفونهم من البر والبحر والجو بالقنابل والصواريخ، في الليل والنهار.
كان ميلاد المصطفى شمس أشرقت في سماء الأمة، التي اصطفاها الله، الأمة التي كانت خير أمة أخرجت للناس، عندما كانت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وترفض الذل والهوان، وتعتز بوجودها وكيانها.
كذلك كان مولده -صلى الله عليه وسلم- مولد خير وبركة للخلق أجمعين، تشرفت فيه الدنيا مبتهجة بمولده، المبعوث رحمة للعالمين.
إن احتفالنا في ذكرى ميلاد أشرف الخلق، عليه افضل الصلاة واتم التسليم، ما هو إلا من محبتنا اليه، و محبة رسولنا الكريم هي أصل من أصول الإيمان، لأنّ المحبة القلبية هي أُولى علامات الإقرار والاعتراف بفضل المحبوب ودليل على مكانته في قلب المُحب، ومن هنا جاء قوله: (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ)، فرسول الله هو المعصوم وهو قدوتنا الذي يتعلق فلاحنا ونجاتنا باتباعه، لذلك يجب علينا أن نُغلب محبته على محبة كل أحدٍ من الخلق، حتى لو كان الوالدين أو الابناء الذين فطر الله الخلق على محبتهم، وهذه المحبّة ما هي إلا ردٌّ لبعض الجميل، تجاه نبينا الكريم، لأنه بذل من جهده وراحته ما يعجز عنه أصبر الرجال، وحرص على مصير أمته وتبليغها رسالة ربها، قال -تعالى-: (لَقَد جاءَكُم رَسولٌ مِن أَنفُسِكُم عَزيزٌ عَلَيهِ ما عَنِتُّم حَريصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنينَ رَءوفٌ رَحيمٌ).
ومن فوائد إحياء ذكرى ميلاد المصطفى، تثبيت الإيمان وترسيخه في القلوب لقوله -تعالى-: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِن أَنباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ في هـذِهِ الحَقُّ وَمَوعِظَةٌ وَذِكرى لِلمُؤمِنينَ)، و تعظيم شعائر الله من خلال إحياء مواسم الذكر والطاعة، واجتماع الناس عليها، واشتغالهم بها تقرباً إلى الله -تعالى- وتهذيباً لسلوكهم وتزكية لنفوسهم.
نسأل الله العظيم أن يعيد علينا هذه الذكرى، ونحن آمنين مطمئنين، تكتسي أمتنا بثوب النصر والعز والكرامة، وأن يرفع الشدة والمحنة عن الأشقاء في غزة هاشم، وأن يديم علينا نعمه، وأن يحفظ وطننا الأردن آمنا مستقراً وسائر بلاد المسلمين.






