صدى الشعب – كتب يُسري فودة
وفقًا لترامب، اليوم هو “يوم التحرير” لأمريكا من الاحتلال العالمي للكرم الأمريكي.
لكن إعلانه مساء اليوم عن حزمة الجمارك الكبرى على الواردات الأمريكية من كوكب الأرض لا تمثل في هذه اللحظة إلا إعلان حرب بنشر قوات الإجراءات الحمائية على الحدود.
ما يقبع وراء هذا ربما يكون أخطر من هذا بكثير، على أمريكا وعلى كوكب الأرض.
في أغسطس 1971 أرسل الرئيس الفرنسي، جورج بومبيدو، سفينة حربية إلى سواحل نيويورك لاسترداد ودائع بلاده من الذهب، وطلبت بريطانيا رسمياً إبعاد ذهبها عن قبضة الخزانة الأمريكية، وتركت سويسرا نظام Bretton Woods لتبادل العملات.
بعدها بأيام قليلة اضطر الرئيس الأمريكي، ريتشارد نيكسون، إلى إعلان أنه لم يعد بحوزة بلاده من الذهب إلا نحو نصف ما كان لديها سابقاً.
كان من أسباب ذلك معجنة فيتنام واستفاقة اليابان وألمانيا اقتصادياً بعد كابوس تبعات الحرب العالمية الثانية.
في الشهر التالي، فاجأ نيكسون الكرة الأرضية بما عُرف بعدها باسم “صدمة نيكسون”، حينما أعلن عن حزمة من الإجراءات الاقتصادية، من بينها وقف التحويل التلقائي للدولار إلى ذهب، وتجميد الرواتب والأسعار لمكافحة التضخم، وفرض جمارك إضافية بنسبة 10% على الواردات من كوكب الأرض.
كانت النتيجة باختصار نجاحاً سياسياً عظيماً وفشلاً اقتصادياً ذريعاً: كساد اقتصادي لثلاث سنوات وتضخم مالي ضرب عقد السبعينات كله.
أثناء ترويجه لكتابه “فن الصفقة” عام 1988، قال فنان الصفقات، دونالد ترامب إن أمريكا “أمة ترزح تحت الديون.
لابد من حدوث شيء في السنوات القادمة؛ لأنك لا تستطيع الاستمرار في خسارة 200 مليار دولار كل عام”.
على عكس كثير من المحللين، يرى الرجل الذي أنقذ اليونان من ورطتها بعد الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، يانِس فاروفاكِس، أن لدى ترامب خطة جهنمية تمثل الجمارك فيها مجرد خطوة أولى.
- بينما تتراكم عوائد الجمارك – وهي تخضع لسلطته المباشرة بعيدًا عن الكونغرس – سيستلقي على أريكته في انتظار ردود الفعل الدولية.
- ولأنه يكره المؤتمرات سيكون فقط مستعداً لاستقبال من يكون مستعدًا لعقد صفقة ثنائية جانبية.
- سيتوقع من الدول الآسيوية، التي تحتفظ حاليًا بأكبر كم من الدولارات الأمريكية، أن تبيع حصة معتبرة من دولاراتها لصالح عملاتها المحلية لأن لذلك علاقة مباشرة بالتوازن التجاري الذي يريده.
- وسيتوقع من الدول الأوروبية استبدال ودائعها من طويلة الأجل بأخرى فائقة الأجل بصورة تؤدي في النهاية إلى تحسين إغراءات نقل الصناعات الألمانية مثلًا من أوروبا إلى أمريكا.
- وسيتوقع ترامب أيضًا من أوروبا ومن غيرها زيادة مشترياتها من الأسلحة الأمريكية.
- من يخضع لمتطلبات الصفقة تتحسن شروطه، ومن لا يخضع يدفع الجمارك بينما يفوز هو في الحالتين.
لكن أسافين الفشل في هذا المخطط يمكن أن تحوله إلى كارثة. داخليًا، إذا بدأ العجز التجاري في التقلص كما يريد ترامب، ستبدأ الاستثمارات الأجنبية الخاصة في وول ستريت في الانحسار والنضوب.
وحين يحدث هذا سيضطر إلى خيانة طرف من اثنين: أوليغاركية البيزنس وفاحشي الثراء، أو الفقراء من دراويشه الذين انتخبوه، وخارجيًا، ربما تقرر الصين أخيرًا التخلي عن خطواتها الحريصة نحو قمة العالم فتقرر الآن إطلاق عنان اليوان الصيني ليحل محل الدولار الأمريكي.
وفي كل الأحوال، لا ينتظر المواطن الأمريكي، وبقية المواطنين على كوكب الأرض، إلا مزيد من المعاناة على المدى المنظور.
لسنوات طويلة الآن أبدعت أمريكا في تقويض عُرى نظام عالمي تتزعمه، سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا وقانونيًا وقيميًا.
الآن تنخر في عصب الفلسفة الاقتصادية الغربية القائمة في جوهرها على مبادئ قوى السوق، العرض والطلب، تكافؤ الفرص والعملة الجيدة تطرد العملة السيئة من التداول، لهذا عواقب .. بكل تأكيد.