الدعجة: الأردن يواجه شبكات عابرة للحدود تمتلك تمويلًا وتسليحًا وتقنيات متطورة
الدعجة: ما يجري على الحدود الشمالية معركة استنزاف طويلة لحماية الأمن الوطني
الدعجة: الأردن انتقل من الدفاع الحدودي التقليدي إلى الردع الاستباقي متعدد الطبقات
صدى الشعب – محمد الجعارات
في ظل التغيرات الجيوسياسية الضخمة وبعد سقوط نظام بشار الأسد، فرص الأردن في تأمين حدوده الشمالية ووقف تهريب المخدرات التي كانت تديرها المليشيات والجهود المتواصلة التي يبذلها الجيش العربي الأردني والأجهزة الأمنية في حماية حدود المملكة وصون أمنها الوطني، تتواصل العمليات النوعية الهادفة إلى كبح تمدد شبكات تهريب المخدرات التي تنشط عبر الحدود الشمالية بأساليب متطورة ومتغيرة.
ويأتي هذا الحراك الأمني في إطار نهج واضح يقوم على المبادرة والردع الاستباقي، لحماية المجتمع الأردني من أخطر التهديدات التي تستهدف أمنه واستقراره، وفي مقدمتها آفة المخدرات وشبكاتها المنظمة.
بهذا الإطار، أكد الخبير الأمني والاستراتيجي الدكتور بشير الدعجة أن الحديث عن الحدود الشمالية للأردن لم يعد مجرد ملف أمني تقليدي يرتبط بعمليات تسلل أو محاولات تهريب متفرقة، بل أصبح الحديث اليوم عن جبهة جيوسياسية كاملة تتداخل فيها الجريمة المنظمة، والمليشيات المسلحة، واقتصاد المخدرات، والتكنولوجيا العسكرية الحديثة، وصراع النفوذ الإقليمي والدولي داخل الجغرافيا السورية المنهكة.
وأوضح الدعجة خلال حديثه لـ”صدى الشعب” أن التحولات التي أعقبت انهيار بنية الدولة السورية وتراجع سلطة النظام السابق في الجنوب السوري لم تُنتج فراغًا سياسيًا فقط، بل أفرزت بيئة هجينة شديدة الخطورة، بيئة تتغذى على الفوضى، وتعيش على اقتصاد الحرب، وتُدار بعقلية الشبكات العابرة للحدود لا بعقلية الدولة التقليدية.
وفيما يتعلق بطبيعة التهديد، أضاف أن الأردن اليوم لا يواجه على حدوده الشمالية “مهربين” بالمعنى التقليدي للكلمة، بل يواجه منظومة متكاملة تضم شبكات تمويل وخلايا لوجستية وتقنيات مراقبة واتصال وطائرات مسيّرة ومليشيات مدججة بالسلاح وغطاءات عشائرية ومحلية داخل بعض المناطق السورية الحدودية.
وأشار إلى أن ما يجري على الحدود الشمالية لا يمكن اختزاله بخبر أمني عابر أو اشتباك حدودي محدود، بل نحن أمام معركة استنزاف استراتيجية طويلة الأمد معركة عنوانها الرئيسي حماية الأمن الوطني الأردني ومنع تحويل المملكة إلى ممر أو ساحة عبور لمشروع الفوضى والمخدرات في الإقليم.
ما بعد نظام بشار الأسد وتأمين الحدود الأردنية
وحول تداعيات سقوط نظام بشار الأسد، بين الدعجة أن تآكل سلطته المركزية في الجنوب السوري غيّر شكل التهديد بالكامل، مشيراً إلى أن الأردن كان في السابق يتعامل مع دولة مركزية لها مؤسسات عسكرية وأمنية واضحة، أما اليوم فالمشهد أكثر تعقيداً وخطورة، لأن الحدود الشمالية باتت ملاصقة لمناطق نفوذ متداخلة تديرها مجموعات محلية ومليشيات وشبكات تهريب ذات طابع عابر للحدود.
وأشار إلى أن الأرقام هنا “صادمة للغاية”، فوفق تقارير دولية وغربية متعددة، تحولت سوريا خلال السنوات الأخيرة إلى أكبر مركز عالمي لإنتاج الكبتاغون، حيث قُدّرت قيمة تجارة الكبتاغون السورية بما يتراوح بين 5 إلى 10 مليارات دولار سنويًا في بعض التقديرات، وهي أرقام تفوق أحيانًا قيمة الصادرات الرسمية السورية نفسها.
ولفت أيضًا إلى أنه في عام 2022 وحده، أعلنت عدة دول عربية وأوروبية ضبط مئات الملايين من حبوب الكبتاغون القادمة من الأراضي السورية، فيما قُدّرت بعض الشحنات المضبوطة بمليارات الدولارات، “ما يؤكد أننا لا نتحدث عن تهريب محدود بل عن اقتصاد جريمة متكامل يشبه اقتصاد الكارتلات العالمية.
وأوضح أن الأردن كان في قلب هذه المواجهة، إذ أعلن الجيش الأردني مرارًا إحباط مئات محاولات التسلل والتهريب خلال الأعوام الماضية، وضبط ملايين الحبوب المخدرة، إضافة إلى كميات ضخمة من الأسلحة والذخائر.
وبين أن القوات المسلحة الأردنية اشتبكت أكثر من مرة مع مجموعات مسلحة استخدمت: أسلحة رشاشة متوسطة وثقيلة، وقذائف صاروخية أحيانًا، وطائرات مسيرة، وسيارات دفع رباعي سريعة، وأجهزة رؤية ليلية واتصالات متطورة.
وأضاف أن الأردن لم يكن يواجه مجرد عصابات بدائية، بل كان يواجه تشكيلات شبه عسكرية تمتلك تمويلًا وتنظيمًا وتسليحًا عالي المستوى.
وأشار إلى أن النقلة النوعية في العقيدة الأمنية الأردنية تمثلت في انتقال الجيش الأردني من “الدفاع الحدودي التقليدي” إلى “الردع الاستباقي متعدد الطبقات”، بمعنى التعامل مع التهديد قبل وصوله إلى الحدود أصلًا.
وأوضح أن الأردن استثمر خلال السنوات الأخيرة بشكل واضح في: منظومات المراقبة الإلكترونية، والرادارات الحرارية، والطائرات بدون طيار، ووحدات التدخل السريع، والاستخبارات الميدانية، وأنظمة كشف التسلل الليلي.
وبين أن النتيجة أن الحدود الأردنية بقيت متماسكة رغم اشتعال الإقليم من حولها، بينما انهارت حدود أخرى في المنطقة أمام الجريمة المنظمة والمليشيات.
استمرت عصابات المخدرات بعد سقوط النظام السابق
وشدد على ضرورة التفريق بين “سقوط الدولة” و”سقوط الشبكات الإجرامية”، موضحاً أنه في أغلب الصراعات الدولية، عندما تنهار الدولة تزداد قوة الاقتصاد الأسود لا العكس.
وأضاف أن ما حدث في الجنوب السوري أن شبكات التهريب لم تختفِ بعد تراجع النظام، بل أعادت إنتاج نفسها بسرعة أكبر، وتحولت من العمل المركزي إلى العمل الشبكي اللامركزي، أي لم تعد هناك غرفة عمليات واحدة أو قيادة موحدة يمكن استهدافها وإنهاء التهديد، بل أصبحت هناك خلايا صغيرة مرنة تتحرك بسرعة وتتغير خطوطها باستمرار وتستخدم وسائل تهريب أكثر تطورًا وذكاءً.
وفيما يتعلق بـ”التهريب التكنولوجي”، أشار إلى أن الوقائع الميدانية كشفت استخدام: الطائرات المسيّرة لنقل المخدرات، والبالونات الهوائية العابرة للحدود، وأجهزة GPS متطورة، وتطبيقات اتصال مشفرة، وتقنيات مراقبة واستطلاع. وأوضح أن هذا التحول يعكس عقلية تنظيمية متقدمة، وليس مجرد عمل عشوائي.
وحول البيئة الحاضنة لهذه الشبكات، بين الدعجة أن الجنوب السوري يعاني من فقر واسع النطاق، وبطالة مرتفعة، وانهيار اقتصادي، وانتشار السلاح، وغياب الدولة المركزية، وتعدد القوى المسلحة.
وأشار إلى أن بعض تقارير الأمم المتحدة أشارت إلى أن نسبة كبيرة من السوريين باتوا يعيشون تحت خط الفقر، فيما تراجعت فرص العمل والاقتصاد الرسمي بشكل كارثي، الأمر الذي جعل اقتصاد التهريب بالنسبة للبعض وسيلة بقاء لا مجرد نشاط إجرامي.
وبين أن مكافحة المخدرات لم تعد مجرد مواجهة أمنية، بل أصبحت مواجهة مع اقتصاد حرب كامل يعيش على الفوضى والانهيار.
عملية “الردع الأردني”
وأكد بنجاح عملية الردع الاردنية، وبدرجة كبيرة جدًا قياسًا بطبيعة التهديد وتعقيداته، مشيراً إلى أن الأردن اليوم يخوض واحدة من أعقد الحروب الحدودية غير التقليدية في المنطقة، ومع ذلك نجح في منع تحول حدوده الشمالية إلى ممر فوضى مفتوح.
وأوضح أن عملية “الردع الأردني” حققت عدة نتائج استراتيجية واضحة وهي نقل المعركة خارج الحدود حيث أن هذه نقطة مفصلية، لأن التعامل مع التهديد داخل العمق السوري قبل وصوله للشريط الحدودي يقلل من قدرة العصابات على المناورة، ويمنع تحويل الحدود إلى ساحة اشتباك يومية.
وأضاف ان الامر الاخر الذي حققته العملية هي رفع كلفة التهريب حيث أنه عند تدمير مستودعات التخزين، ومنصات الإطلاق للمسيّرات، وخطوط الإمداد، والعربات المستخدمة، والقيادات الميدانية، فإن الشبكات تبدأ بخسارة المال والوقت والقدرة التشغيلية.
وأشار الى أن العملية خلقت هيبة ردع حقيقية حيث أن الأردن أوصل رسالة واضحة مفادها أن قواعد الاشتباك تغيرت، وأن أي تهديد مباشر للأمن الوطني سيواجه بقوة وحسم، مشدداً على أن هذه الرسالة مهمة للغاية، لأن العصابات الإجرامية تختبر دائمًا إرادة الدولة قبل اختبار حدودها العسكرية.
لفت أيضًا إلى ضرورة الاعتراف أن التحدي لم ينتهِ، لأن التكنولوجيا غيّرت شكل المعركة بالكامل.
وأوضح أن الطائرات المسيّرة الصغيرة أصبحت واحدة من أخطر أدوات التهريب عالميًا، وقد استخدمتها عصابات المخدرات في المكسيك وكولومبيا والعراق وسوريا وشرق أوروبا، مشيراً إلى أن بعض المسيّرات الحديثة تستطيع التحليق لمسافات طويلة نسبيًا مع بصمة رادارية منخفضة جدًا، ما يجعل اكتشافها أكثر تعقيدًا.
وأضاف أن المعركة المقبلة ستكون معركة ذكاء اصطناعي، وحرب إلكترونية، وتشويش تقني، ورصد فضائي، وتكامل استخباراتي إقليمي ودولي، موضحاً أن الأردن يدرك هذه الحقيقة مبكرًا، ولهذا نشهد تطورًا مستمرًا في أدوات المراقبة والردع على الواجهة الشمالية.
إقامة منطقة عازلة داخل الجنوب السوري
وبين الدعجة، أن الأردن يتعامل مع هذا الملف بعقلانية استراتيجية عالية جدًا، لأنه يدرك أن إنشاء منطقة عازلة بالمعنى التقليدي ليس قرارًا عسكريًا فقط، بل مشروع سياسي وأمني ودبلوماسي شديد التعقيد.
وأوضح أن المنطقة العازلة تحتاج إلى غطاء دولي، وتفاهمات إقليمية، وكلفة عسكرية طويلة الأمد، وإدارة أمنية ومدنية للسكان، وتجنب الاحتكاك مع القوى الدولية الموجودة في سوريا.
وأشار إلى أن هذا يجعل الأردن أكثر ميلًا إلى العمق الأمني المرن بدل الاحتلال الأمني المباشر، بمعنى تنفيذ ضربات دقيقة عند الضرورة، وبناء شبكات معلومات داخل العمق السوري، ودعم الاستقرار المحلي حيث أمكن، وخلق أحزمة مراقبة غير معلنة، وتعزيز النفوذ الأمني الوقائي.
وبين أن الأردن تاريخيًا ليس دولة توسعية، ولم يسعَ يومًا لاقتطاع أراضٍ أو فرض نفوذ احتلالي، لكنه في الوقت نفسه لن يسمح بتحول حدوده الشمالية إلى خاصرة رخوة أو بوابة تهديد مفتوحة.
وأكد الدعجة أن الأردن أمام حرب طويلة لا تشبه الحروب التقليدية، فما يجري في الجنوب السوري اليوم ليس مجرد أزمة حدود، بل إعادة تشكيل كاملة للبيئة الأمنية في المنطقة، فنحن أمام اقتصاد مخدرات عابر للحدود، ومليشيات مرنة، وفراغات أمنية، وحرب تكنولوجية، وصراع نفوذ إقليمي، وانهيار اقتصادي واجتماعي داخل سوريا.
وأضاف أنه رغم كل ذلك أثبت الأردن أنه يمتلك واحدة من أكثر المؤسسات الأمنية والعسكرية احترافًا في المنطقة، مؤسسة تعمل بعقيدة استباقية، وتوازن دقيق بين القوة العسكرية والحكمة السياسية والدبلوماسية الهادئة.
وشدد على أن الأردن اليوم لا يحمي حدوده فقط، بل يحمي استقرار الإقليم بأكمله، لأن سقوط الجبهة الشمالية أمنيًا لن تكون كلفته أردنية فحسب، بل ستكون كلفته إقليمية ودولية أيضًا.
وقال أن الجبهة الشمالية الجديدة ليست ملفًا عابرًا، بل معركة استراتيجية مفتوحة عنوانها: كيف تحمي الدولة الحديثة أمنها الوطني في زمن الفوضى العابرة للحدود.






