صدى الشعب – سلمى الناطور
في الثالث من أيار من كل عام، يقف العالم أمام اليوم العالمي لحرية الصحافة بوصفه مناسبة لتجديد الالتزام بحق الإنسان في المعرفة، وحق الصحفيين في العمل بحرية وأمان.
غير أن هذه المناسبة تأتي هذا العام على وقع مشهد مختلف، فلم تقف الة الحرب الاسرائيلي، من غزة إلى جنوب لبنان، باستهداف عيون الحقيقة لتصبح تلك المناطق واحدة من أخطر البيئات على العمل الإعلامي والصحفي .
وفي الوقت الذي يُفترض أن يكون الصحفي ناقلًا للحقيقة وشاهدًا على الأحداث، وجد كثير من العاملين في الإعلام أنفسهم داخل دائرة الاستهداف المباشر، بين القتل والإصابة والنزوح وفقدان المؤسسات والمعدات، في مشهد أعاد طرح أسئلة جوهرية حول حدود الحماية الدولية للصحفيين أثناء الحروب.
عام ثقيل على حرية الصحافة
تشير تقارير صادرة عن لجنة حماية الصحفيين (CPJ) ومنظمات دولية أخرى إلى أن عام 2025 كان من أكثر الأعوام دموية للعاملين في القطاع الإعلامي عالميًا، مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في أعداد القتلى المرتبطين بتغطية النزاعات المسلحة.
وتؤكد هذه التقارير أن حرب الابادة التي شنها الاحتلال الاسرائيلي على قطاع غزة كانت الابرز والتي رفعت حصيلة الضحايا، في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاق الاستهدافات التي طالت صحفيين وعاملين في وسائل الإعلام.
غزة… الصحفي بين الرسالة والبقاء
في قطاع غزة، لم يعد الصحفي يواجه فقط صعوبة الوصول إلى المعلومة أو ظروف التغطية القاسية، بل بات يواجه خطرًا يوميًا يهدد حياته وحياة أسرته.
فالصحفيون هناك يواصلون العمل وسط قصف طائرات الاحتلال الاسرائيلي، والانقطاع المتكرر للاتصالات، والنزوح المستمر، ونقص المعدات الأساسية، فيما فقد عدد منهم منازلهم أو أفرادًا من عائلاتهم خلال الحرب.
كما أن القيود المفروضة على دخول الصحفيين الأجانب إلى القطاع جعلت الصحفي الفلسطيني المصدر الأساسي لنقل الصورة إلى العالم، ما حمّله مسؤولية مضاعفة، مهنية وإنسانية في آن واحد.
من غزة إلى جنوب لبنان… الخطر يمتد
ولم يقتصر المشهد على غزة، إذ شهد جنوب لبنان منذ بدء التصعيد الحدودي حوادث استهداف طالت صحفيين أثناء تغطية التطورات الميدانية.
وقد أثارت هذه الحوادث إدانات دولية واسعة، وأعادت التأكيد على أن الصحفي في مناطق النزاع بات يعمل في مساحة ضيقة بين أداء الواجب المهني ومخاطر الاستهداف المباشر.
ويرى متابعون أن اتساع الخطر من جبهة إلى أخرى يكشف هشاشة منظومة الحماية المفترضة للصحفيين في النزاعات المعاصرة.
حماية قانونية… وواقع مغاير
ورغم أن القانون الدولي الإنساني ينص على حماية الصحفيين المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، إلا أن تكرار الانتهاكات ضدهم يطرح تساؤلات متزايدة حول مدى فاعلية هذه النصوص، وحول آليات المحاسبة عند وقوع الجرائم بحق الإعلاميين.
وتطالب منظمات صحفية وحقوقية بتحقيقات مستقلة وشفافة في الحوادث التي أودت بحياة صحفيين أو أدت إلى إصابتهم، مؤكدة أن غياب المساءلة يهدد بتكرار الانتهاكات.
استهداف الصحفيين… حين تصبح الحقيقة في مرمى النار
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا تبدو القضية مرتبطة فقط بحق الصحفي في ممارسة عمله، بل بحق المجتمعات في الوصول إلى حقيقة ما يجري. فعندما يُستهدف الصحفي، لا يُصاب فرد واحد فقط، بل تُصاب الرواية، وتُحاصر المعلومة، ويُحرم الرأي العام من حقه في المعرفة.
ومن غزة إلى لبنان، تبدو الرسالة أكثر وضوحًا هذا العام: حماية الصحفي لم تعد مطلبًا مهنيًا فحسب، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية لحماية الحقيقة نفسها






