صدى الشعب – راكان الخريشا
قالت الأستاذة في علم المياه والري، الدكتورة منى هندية، إن مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر يمثل تحولاً محورياً في منظومة الأمن المائي الأردني، كونه يستهدف توفير مئات الملايين من الأمتار المكعبة سنوياً، الأمر الذي سينعكس بشكل مباشر على تعزيز الأمن المائي في المدن الرئيسية والمحافظات، وأكدت أن أهمية المشروع لا تكمن فقط في زيادة كميات المياه المتاحة، بل في إدارة هذه الكميات بكفاءة عالية، وتقليل الفاقد، وإعادة النظر في سياسات التسعير بما يعكس القيمة الحقيقية للمياه كمورد نادر واستراتيجي.
وأشارت هندية إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين دعم القطاع الزراعي وحماية البيئة، موضحة أن هذا التوازن يتطلب سياسات صارمة وتخطيطاً طويل الأمد وتعاوناً بين مختلف القطاعات المعنية، وقالت إن الأردن في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، بات بحاجة إلى نماذج إدارة حديثة لا تقتصر على الحلول الإسعافية، بل تتجه نحو الاستدامة والكفاءة.
ولفتت هندية إلى أن دمج الطاقة المتجددة، خصوصاً الطاقة الشمسية، في تشغيل مشاريع التحلية، يشكل خطوة مهمة نحو تقليل الكلفة التشغيلية وخفض البصمة الكربونية، بما يعزز استدامة المشروع على المدى البعيد، وكما أكدت أهمية التزام المشروع بدراسات تقييم الأثر البيئي الشاملة، وتطبيق أعلى المعايير الدولية في المراقبة المستمرة وإجراءات التخفيف والتعويض البيئي عند الحاجة.
وفيما يتعلق بالقطاع الزراعي، أوضحت هندية أن استخدام المياه المحلاة في الري قد يفتح آفاقاً لزيادة الإنتاج الزراعي عالي القيمة، إلا أنها حذرت في الوقت ذاته من الاعتماد غير المدروس على هذا المصدر المكلف، مشيرة إلى أن ذلك قد يقود إلى نمط زراعي غير واقعي من الناحية الاقتصادية إذا لم يُدار بحكمة، وأضافت أن الزراعة، رغم أهميتها للأمن الغذائي، تبقى القطاع الأكبر استهلاكاً للمياه، ما يستدعي إعادة هيكلة شاملة لآليات استخدامها.
وبيّنت هندية أن ضخ كميات إضافية من المياه دون إدارة دقيقة قد يؤدي إلى توسع زراعي غير مستدام، يضغط على التربة والأنظمة البيئية، خصوصاً في المناطق الهشة مثل البادية الأردنية، التي تمتاز بنظم بيئية دقيقة وحساسة يصعب تعويضها عند اختلالها.
ودعت هندية إلى إعادة توزيع علمية ومدروسة لكميات المياه بين القطاعات المختلفة، بحيث تُخصص المياه المحلاة للاستخدامات المنزلية والحضرية، في حين يتم تعزيز الاعتماد على المياه المستصلحة والحصاد المائي والمياه الجوفية المنظمة للقطاع الزراعي، كما شددت على ضرورة التوسع في تقنيات الري الحديثة، مثل الري بالتنقيط والزراعة الذكية، بهدف رفع كفاءة الاستخدام وتقليل الهدر، إلى جانب تشجيع التحول نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه وأكثر ملاءمة للظروف المناخية المحلية.
وحذرت هندية من أن استخدام المياه المحلاة في الري دون معالجة أو خلط مناسب قد يؤدي إلى تغيرات في خصائص التربة، نتيجة عدم توازن بعض المعادن، ما قد ينعكس سلباً على خصوبة الأرض على المدى الطويل.
وفي جانب آخر، تطرقت هندية إلى البعد البيئي لمشروع التحلية، خصوصاً ما يتعلق بتصريف المياه المالحة في خليج العقبة، مؤكدة أن هذا الملف يحظى باهتمام كبير، ويتم العمل على تقنيات متقدمة للحد من أي تأثيرات محتملة على الشعاب المرجانية، إلى جانب برامج مراقبة بيئية مستمرة لضمان حماية النظام البيئي البحري.
وأكدت هندية أن مشروع تحلية مياه البحر الأحمر والناقل الوطني يشكل فرصة استراتيجية لإعادة بناء النظام المائي في الأردن على أسس أكثر استدامة، من خلال تقليل الاعتماد على المياه الجوفية، وإتاحة المجال لتعافي الأحواض المائية، وتحسين نوعية المياه تدريجياً، بما يسهم في حماية الواحات والينابيع ودعم التنوع الحيوي.
وشددت هندية أن الأردن يتجه نحو نموذج متكامل يربط بين المياه والطاقة والزراعة والبيئة، يقوم على الإدارة الذكية للموارد، واستخدام الطاقة الشمسية، والتقنيات الرقمية في إدارة الري، باعتباره مساراً ضرورياً لتحقيق الاستدامة وتعزيز الأمن المائي للأجيال القادمة.






