صدى الشعب-أسيل جمال الطراونة
أكدت أستاذة العلوم السياسية الدكتورة أريج جبر أن إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران قبل انتهاء المهلة المحددة لم يكن نتيجة تفوق استراتيجي، بقدر ما جاء انعكاسًا لتوازن دقيق بين ضغوط داخلية وخارجية بلغت مستوى حرجًا داخل بنية القرار الأميركي.
وأوضحت جبر أن الإدارة الأميركية واجهت حالة من التآكل السياسي الداخلي، تمثلت في تصاعد الانقسام داخل المؤسسة الحاكمة، إلى جانب ضغوط تشريعية وإعلامية شككت في قدرة القيادة على إدارة الصراع. وتزامن ذلك مع مؤشرات اضطراب اقتصادي ومخاوف متزايدة من تداعيات إغلاق الممرات الحيوية للطاقة، وما قد يترتب عليه من انعكاسات على الاقتصاد العالمي والدور الأميركي.
وفي السياق ذاته، أشارت إلى أن واشنطن حاولت توظيف التصعيد كأداة تفاوضية، من خلال رفع سقف التهديدات ثم الانتقال إلى التهدئة، في محاولة لتكريس نفسها كقوة تتحكم بإيقاع الصراع ومساراته. وقد انعكس ذلك في الخطاب السياسي للرئيس الأميركي، الذي سعى إلى تقديم بلاده بوصفها صاحبة اليد العليا في الإقليم، بما يتجاوز النفوذ التقليدي نحو إعادة تشكيل مراكز السيادة.
وبيّنت جبر أن غياب الغطاء الدولي، إلى جانب اشتداد الضغوط من الحلفاء وتكثف الوساطات الإقليمية والدولية، دفع نحو إعلان مبكر هدفه احتواء التصعيد وتأجيل المواجهة، لا التوصل إلى تسوية نهائية.
وأضافت أن الموقف الدولي، لا سيما الرفض الروسي–الصيني لأي غطاء أممي، تزامن مع ضغوط داخلية أميركية سياسية واقتصادية، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز وتأثيره على الاقتصاد العالمي. كما أسهمت وساطات دول مثل قطر وباكستان وفرنسا ومصر في الحد من احتمالات الانفجار.
وفيما يتعلق بمدى شمول لبنان بالاتفاق، أوضحت جبر أن الإشكالية تعود إلى ازدواجية بين البعد السياسي والعسكري في بنية التفاهم. فمن جهة، تنظر إيران إلى الساحات الإقليمية كوحدة مترابطة، حيث يشكل حزب الله امتدادًا استراتيجيًا لها، ما يفترض انعكاس أي تهدئة على الساحة اللبنانية.
إلا أن الاتفاق، بحسب جبر، لم يتضمن نصًا صريحًا يُلزم الجبهة اللبنانية، ما أتاح لإسرائيل التعامل مع كل ساحة بشكل منفصل، وضمان حرية حركتها العسكرية. وفي المقابل، يبدو أن إيران أعطت الأولوية لترتيب وضعها الداخلي، حتى على حساب فرض تهدئة شاملة في لبنان.
وعليه، خلصت إلى أن لبنان مشمول سياسيًا بشكل ضمني، لكنه غير مشمول عسكريًا بصورة ملزمة، وهو ما يفسر استمرار التباين في المواقف.
وفي قراءة لمشهد العمليات في لبنان، أشارت جبر إلى أن الصراع يشهد تحولًا من المواجهة المباشرة إلى نمط الاستنزاف منخفض الحدة ، فحزب الله، وفق تقديرها، يسعى إلى ضبط إيقاع التصعيد من خلال تقليص الهجمات الصاروخية، دون التخلي عن قدراته العسكرية.
في المقابل، ترى إسرائيل أن التهديد لا يزال قائمًا، ما دامت هذه القدرات موجودة، وهو ما يدفعها إلى اعتماد سياسة الاستهداف التدريجي عبر عمليات نوعية تشمل ضربات دقيقة واغتيالات وتقدمًا ميدانيًا محدودًا.
وأكدت أن ما يجري لا يمثل خرقًا صريحًا للاتفاق، بقدر ما هو تطبيق لاستراتيجيات مختلفة تحت سقف تهدئة هشة، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وبيّنت جبر أن اتفاق وقف إطلاق النار يعكس في جوهره صراع إرادات ومشاريع أكثر من كونه توافقًا حقيقيًا. فالولايات المتحدة تسعى إلى إعادة تشكيل التوازن الإقليمي عبر تقليص النفوذ الإيراني وضبط برنامجه النووي، إلى جانب تعزيز نفوذها في الخليج ومضيق هرمز.
في المقابل، تعمل إيران على تثبيت سيادتها والحفاظ على قدراتها الاستراتيجية، مع السعي لانتزاع اعتراف بدورها الإقليمي وفرض معادلة ردع متكافئة، معتبرة أنها حققت صمودًا تفاوضيًا.
وعلى المستوى الميداني، تتضمن التهدئة وقف العمليات العسكرية وتجميد الضربات المباشرة مع انسحابات جزئية وضبط للحدود، إلا أن غياب آلية إلزام حقيقية يجعل كل طرف يفسر الاتفاق وفق مصالحه، ما يبقيه هشًا وقابلًا للانهيار.
وحول المرحلة المقبلة، توقعت جبر أن تشهد فترة الأسبوعين خفضًا في التصعيد دون معالجة أسبابه، في إطار سعي الأطراف إلى كسب الوقت وإعادة ترتيب أوراقها.
وأشارت إلى أن المشهد قد يتجه بعد انتهاء المهلة إلى ثلاثة مسارات رئيسية: إما تمديد التهدئة، أو العودة التدريجية للتصعيد، أو استمرار الحالة الرمادية التي تُعد الأكثر ترجيحًا، حيث لا حرب شاملة ولا سلام مستقر.
وختمت بأن المنطقة تتجه نحو إدارة صراع طويل الأمد، تُؤجَّل فيه الانفجارات دون أن تُلغى، في ظل تناقض بنيوي في المشاريع والرؤى بين الأطراف المتنازعة.






