صدى الشعب -كتب حماده أبو نجمة
لفهم السلوك السياسي والعسكري والاستيطاني لكيان الاحتلال، لا بد من التوقف عند ثقافة “الصبرا”، التي نشأت في إطار مشروع الحركة الصهيونية لإنتاج “اليهودي الجديد” في فلسطين، وقد تبلورت هذه الثقافة مع بناء المستوطنات الزراعية المبكرة (الكيبوتسات) ومع التجربة العسكرية التي رافقت بداية الاحتلال، حيث جرى تشكيل نموذج إنساني يقوم على الاستعداد الدائم للقتال والإيمان بالقدرة على فرض الواقع بالعنف، ومن هنا جاء مصطلح “الصبرا” المشتق من نبات الصبار ليعكس صورة الشخصية الخشنة والتي ترى في القوة أداة طبيعية لإدارة الصراع.
هذا التصور انعكس بوضوح في عقيدة جيش الإحتلال القائمة على المبادرة والضرب الاستباقي ونقل المعركة إلى أرض الخصم، وضمن هذا الإطار جرى توسيع استخدام القوة إلى مستويات تتجاوز الضوابط الأخلاقية وتضرب بعرض الحائط قواعد القانون الدولي، في ظل مبررات أمنية فقدت قدرتها على الإقناع.
في غزة ظهر هذا المنطق بأقسى صوره في سياسة إبادة وتدمير واسعة وتهجير قسري وتجويع منظم واستهداف مقصود للبنية التحتية والسكان المدنيين بما يعكس تصورا راسخا يعتبر الحسم العسكري حتى في مواجهة المدنيين طريقا لإعادة تشكيل الواقع.
وفي الضفة الغربية يتجسد هذا النهج من خلال التوسع الاستيطاني وفرض الوقائع على الأرض، فالسيطرة على الأرض وتغيير بنيتها الديموغرافية تتم على قدم وساق بهدف القضاء على أي فرصة لحل سياسي، وكذلك سلوك المستوطنين يأتي ضمن نفس التوجه حيث يستخدم العنف لفرض السيطرة في ظل بيئة سياسية وقانونية تسمح باستمراره.
وعلى المستوى الإقليمي يتكرر النمط ذاته في لبنان وسوريا وفي المواجهة مع إيران، فالعمليات العسكرية تتجاوز الحدود وتستهدف الداخل الجغرافي للدول بهدف فرض معادلات أمنية جديدة وإبقاء البيئة المحيطة في حالة ضعف مستمر، وهو ما يعكس قناعة بأن التفوق يتحقق عبر الفعل العسكري الدائم وليس عبر التوازن أو التسوية.
ثقافة تقود إلى توسيع فعلي لمجالات السيطرة والنفوذ سواء في الأراضي الفلسطينية أو في الإقليم، وتستند إلى تصور راسخ بأن الواقع يعاد تشكيله بالقوة والعنف وتضمن فرض معادلات جديدة.
انعكاس هذه السياسات على المجتمع الإسرائيلي واضح، فتصاعد التأييد لاستخدام القوة وتزايد حضور الخطاب المتشدد يعكسان انتقال هذه الثقافة إلى المزاج العام، ومع صعود التيارات الدينية القومية تزداد حدة هذا الاتجاه ويتعزز القبول بسياسات تقوم على العنف والتدمير.
ثقافة “الصبرا” تقدم تفسيرا لطبيعة هذه السياسات المتمثلة بالثقة العالية بالعنف والاندفاع نحو الحسم العسكري والاستعداد الدائم لفرض الواقع، وعند اقترانها بمشروع سياسي يميني وبيئة إقليمية مضطربة تتكرس سياسات تقوم على العنف وتحدي القانون الدولي وإعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة.






