صدى الشعب -أسيل جمال الطراونة
في ظل تصاعد النزاعات المسلحة حول العالم، يؤكد اختصاصي علم النفس الإكلينيكي الدكتور حذيفة أحمد الرحاحلة أن الحروب تُعد من أشد الصدمات الجماعية تعقيدًا، لما تتركه من آثار تتجاوز التدمير المادي، لتطال البنية البيولوجية والنفسية والقيمية للإنسان.
ويشير إلى أن العيش تحت وطأة الحرب يفرض على الأفراد والمجتمعات اختلالات عميقة تمتد من الخلايا الحيوية وصولًا إلى النسيج الاجتماعي والقانوني.
وفي قراءة طبية، يوضح الرحاحلة أن أجواء الحرب تُدخل الجسم في حالة “استنفار عضوي” دائم، نتيجة القلق المستمر، ما يؤدي إلى تنشيط مزمن للمحور الوطائي-النخامي-الكظري، وبالتالي إفراز مفرط لهرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين. وينعكس ذلك سلبًا على الصحة الجسدية من خلال تثبيط الجهاز المناعي، وزيادة احتمالية الإصابة بالأمراض المعدية والالتهابية، إلى جانب ظهور اضطرابات سيكوسوماتية كارتفاع ضغط الدم والقولون العصبي والصداع المزمن، فضلًا عن اختلال الساعة البيولوجية نتيجة اضطرابات النوم.
أما على الصعيد النفسي، فيبيّن أن الاستجابات تتفاوت بين القلق الاستباقي الناتج عن الخوف من المجهول، والتعرض المباشر للصدمات، مثل أصوات صفارات الإنذار التي تتحول إلى مثيرات شرطية تُبقي الجهاز العصبي في حالة تأهب دائم ، ويؤدي ذلك إلى ما يُعرف بفرط التيقظ، وقد يتطور إلى اضطرابات نفسية كاضطراب القلق المعمم أو اضطراب ما بعد الصدمة.
اجتماعيًا، تلفت هذه الظروف إلى إعادة تشكيل العلاقات بين الأفراد تحت تأثير ما يُعرف بـ”العدوى الانفعالية”، حيث ينتقل القلق بشكل جماعي، ما يخلق حالة من الإحباط أو الهستيريا العامة. ويؤدي ذلك إلى تراجع الثقة بالمحيط الخارجي، وانكفاء الأفراد نحو دوائرهم الضيقة، الأمر الذي يضعف الإنتاجية والتماسك المجتمعي.
وفيما يتعلق بالأطفال، يؤكد الرحاحلة أنهم الفئة الأكثر هشاشة، إذ يكتسبون أنماط الخوف من بيئتهم، ما يؤثر على وظائفهم التنفيذية وقدرتهم على التعلم والتركيز. كما تظهر لديهم اضطرابات سلوكية نتيجة غياب بيئة الاحتواء، إلى جانب تشوه نظرتهم للعالم باعتباره مكانًا غير آمن، وهو ما ينعكس على نموهم النفسي والاجتماعي مستقبلًا.
وعلى الصعيد القانوني، يشير إلى أن القانون الدولي يوفر إطارًا للحماية، من خلال القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف لعام 1949، التي تلزم بحماية المدنيين ومنع استهدافهم أو ترويعهم. كما يؤكد القانون الدولي لحقوق الإنسان على الحق في الصحة النفسية والجسدية، ويُصنف الانتهاكات الجسيمة خلال الحروب كجرائم حرب تستوجب المساءلة الدولية.
وفي ختام حديثه، يدعو الرحاحلة إلى تبني استراتيجيات للتخفيف من آثار هذه الصدمات، من أبرزها تطبيق مبادئ “الإسعاف النفسي الأولي الذاتي”، عبر الحفاظ على النشاط البدني، وممارسة تمارين التنفس، وتقليل التعرض للأخبار السلبية، إلى جانب تعزيز الدعم الاجتماعي، والحفاظ على روتين يومي مستقر داخل الأسرة، خاصة للأطفال.
ويشدد على أن إدراك هذه الأبعاد المتداخلة يُعد الخطوة الأولى نحو تحويل الصدمة إلى فرصة للنمو، وحماية الإنسان من الانهيار النفسي في ظل الظروف الاستثنائية.






