صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
في ظل الحرب التي تدور في منطقة الشرق الأوسط منذ أسابيع، شكلت واقع تقني يعيد رسم ملامح المشهد الرقمي، حيث امتد أثر التصعيد العسكري المتبادل إلى الفضاء الإلكتروني، ما أنتج بيئة رقمية أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن التحولات المتسارعة في استخدام التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، الذي بات يلعب دورًا متناميًا في تحليل البيانات وإدارة العمليات الرقمية، بالتوازي مع تصاعد التهديدات السيبرانية وتطور أدواتها وأساليبها.
كما يشهد المشهد الرقمي تزايدًا في مخاطر المعلومات المضللة وتداول المحتوى الرقمي غير الدقيق، في ظل سهولة إنتاجه وانتشاره عبر المنصات المختلفة، ما يفرض تحديات إضافية على بيئة المعلومات والاتصال.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى فهم أعمق لطبيعة هذا التحول الرقمي، وانعكاساته على الأمن السيبراني وإدارة البيانات، إضافة إلى الفرص التي يفتحها أمام تطوير حلول أكثر تقدمًا في مجالات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
سباق مستمر بين تقنيات الحماية والهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي
قال خبير الذكاء الاصطناعي وأستاذ الذكاء الاصطناعي المشارك في الجامعة الأردنية الدكتور علي الروضان، إن الذكاء الاصطناعي بات يُستخدم اليوم في الحروب والصراعات الرقمية بوصفه أداة متقدمة لتسريع التحليل واتخاذ القرار، من خلال قدرته على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات الواردة من الاجهزةة وتحويلها إلى صورة أكثر وضوحًا عن الميدان أو التهديدات المحتملة.
وأوضح الروضان خلال حديثه لـ”صدى الشعب” أن هذه القدرة تمنح صانع القرار سرعة أكبر في فهم المشهد وتوقع التحركات، إلا أنها في الوقت نفسه تفرض تحديات كبيرة تتعلق بدقة المعلومات، خاصة في حال كانت البيانات ناقصة أو مضللة، مشددًا على أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تكمن في دعم الإنسان وليس استبداله.
وفيما يتعلق بالأمن السيبراني، بيّن الروضان أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة محورية في الكشف المبكر عن الهجمات السيبرانية، وتحليل السلوكيات غير الطبيعية، وتقليل الضجيج الناتج عن الكم الهائل من التنبيهات الأمنية، حيث يمكنه ربط أحداث متفرقة واكتشاف أنماط يصعب على الإنسان ملاحظتها بالسرعة ذاتها، ما يتيح لفرق الأمن الاستجابة بشكل أسرع وأكثر كفاءة.
وأشار إلى أن هذه التطورات تتزامن مع استخدام المهاجمين أنفسهم لتقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير أساليبهم، سواء في التصيد الاحتيالي أو الهندسة الاجتماعية أو البحث عن الثغرات، ما يخلق سباقًا مستمرًا بين أدوات الحماية وأدوات الاختراق، ويجعل الحوكمة والرقابة البشرية عنصرًا أساسيًا في أي منظومة دفاعية.
التضليل الرقمي يتصاعد مع تطور أدوات إنتاج المحتوى المضلل وانتشاره
وحذر من تصاعد استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج ونشر المعلومات المضللة، مبينًا أنه خفّض كلفة التضليل ورفع سرعته ومستوى إقناعه، من خلال تمكين إنتاج نصوص وصور ومقاطع صوتية وفيديوهات شديدة الواقعية خلال وقت قصير، ونشرها بشكل واسع وموجه لفئات محددة.
وأضاف أن التأثير على الرأي العام لم يعد يقتصر على الإعلام التقليدي أو الشائعات العفوية، بل أصبح يعتمد على محتوى مصنع رقميًا يستهدف المشاعر والانقسامات المجتمعية، مشيرًا إلى أن خطورة التضليل لا تكمن في المحتوى وحده، بل في الشبكات والحسابات التي تروّجه وآليات توزيعه، ما يتطلب وعيًا مجتمعيًا، وتحققًا صحفيًا صارمًا، وأدوات تقنية لكشف المحتوى المولد وتتبع مصادره.
وفيما يخص الجدل حول اعتبار الذكاء الاصطناعي سلاحًا في الحروب الحديثة، أوضح الروضان أنه يمكن اعتباره كذلك في بعض السياقات، ليس بوصفه سلاحًا تقليديًا، بل كطبقة قوة تُدمج في أنظمة السلاح أو القرار العسكري أو الهجمات السيبرانية أو عمليات التأثير النفسي.
وبيّن أن خطورته تكمن في استخدامه في اختيار الأهداف أو تعطيل البنى التحتية أو تنفيذ هجمات رقمية أو التأثير المنظم على وعي المجتمعات، مؤكدًا أن النقاش العالمي الحالي يركز على ضرورة بقاء الإنسان في دائرة القرار، خصوصًا في التطبيقات المرتبطة بالأمن والحقوق والحياة.
وأكد أن الذكاء الاصطناعي يحمل فرصًا كبيرة لتعزيز الاستقرار الرقمي والاقتصادي إذا ما تم توظيفه ضمن إطار مؤسسي منظم ومسؤول، إذ يمكنه تحسين الأمن السيبراني، وكشف الاحتيال، ورفع كفاءة الخدمات الحكومية، ودعم اتخاذ القرار المبني على البيانات، وتحسين الإنتاجية في قطاعات الصحة والتعليم والمال والطاقة والخدمات.
وأشار إلى أن هذه التقنيات تسهم أيضًا في تحسين التخطيط وتقليل الهدر ورفع جودة الخدمات، إلا أن تحقيق هذا الدور الإيجابي يتطلب حوكمة واضحة وتشريعات حديثة وحماية للبيانات وبناء قدرات بشرية قادرة على تطوير هذه الحلول وإدارتها.
وأكد على أن التحدي الأهم لا يكمن في وجود الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في طريقة استخدامه ومدى خضوعه للضوابط والشفافية والمساءلة والرقابة البشرية، مشددًا على أن غياب الأطر القانونية والأخلاقية قد يحوله إلى مصدر للأخطاء أو التضليل أو التصعيد، في حين أن تنظيمه يجعله أداة قوية للاستقرار والأمن والتنمية.
وأضاف أن السؤال الأهم اليوم لم يعد هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا بل كيف نستخدمه وتحت أي ضوابط ومن يراقب أثره.






