صدى الشعب – بهاء سلامة
في ظل الجدل المتصاعد في الشارع الأردني حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، لا سيما ما يتعلق برفع سن التقاعد ومستقبل التقاعد المبكر، تتجدد الأسئلة حول جذور الأزمة التي يواجهها الصندوق، والتي باتت تقترب وفق تقديرات متزايدة من مرحلة حساسة مالياً.
ورغم أن النقاش العام يتركز اليوم على إجراءات إصلاحية متأخرة، إلا أن جوهر الإشكالية يعود إلى سياسات وتوجهات سابقة أسهمت في خلق اختلالات مالية واضحة، وفي مقدمتها التوسع في نظام التقاعد المبكر، الذي شكل أحد أبرز أسباب استنزاف موارد الصندوق.
وفي هذا الإطار، عقدت لجنة العمل والتنمية والسكان النيابية اجتماعاً حوارياً موسعاً لمناقشة التعديلات المقترحة على قانون الضمان، بمشاركة وزراء عمل سابقين، ورؤساء لجان نيابية، ومدراء سابقين لمؤسسة الضمان الاجتماعي، وذلك في سياق سلسلة من الاجتماعات النيابية التي تهدف إلى مراجعة مسار التشريعات والسياسات المرتبطة بالضمان.
وخلال الاجتماع، أكد رئيس اللجنة النيابية النائب أندريه حواري أهمية الاستماع إلى الخبرات السابقة، وفتح نقاش موسع حول أسباب الاختلالات المالية التي ظهرت في الصندوق، إلى جانب تقييم أثر القرارات السابقة، خصوصاً ما يتعلق بالتقاعد المبكر.
غير أن اللافت في هذا السياق كان ما تطرق له حواري عن غياب عدد من الشخصيات التي ارتبطت أسماؤها بمراحل مفصلية في إدارة ملف الضمان، حيث تغيب عن الاجتماع وفق ما تم تأكيده خلال الجلسة من مصدر نيابي مُطلع، كل من رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عمر الرزاز، والدكتورة نادية الروابدة (مدير الضمان و وزير العمل السابقة)، والدكتور عدنان السواعير (رئيس لجنة العمل النيابية الأسبق)، دون تسجيل اعتذارات رسمية أو استجابة للاتصالات، بحسب نفس المصدر، فيما أعتذر رئيس الوزراء و وزير العمل الأسبق، عبد الكريم الكباريتي، و مدير الضمان الاسبق، حازم رحاحلة، و مدير الضمان الأسبق أيضاً (الدكتور معن النسور).
ويأتي ذلك في وقت تشير فيه الوقائع إلى أن مرحلة إقرار وتوسيع العمل بالتقاعد المبكر، والتي يُنظر إليها كأحد مفاتيح التحديات الحالية، تعود إلى فترات إدارية وتنفيذية سابقة، ما يجعل النقاش النيابي الحالي يتجاوز التعديلات المقترحة، ليشمل مراجعة أعمق لمسار السياسات التي أُقرت خلال السنوات الماضية.
كما أن التحذيرات من مخاطر هذا التوجه لم تكن غائبة في حينها، إذ سُجلت مواقف نيابية سابقة من بينها خلال فترة حكومة الدكتور عبد الله النسور نبهت إلى التداعيات المالية لاعتماد التقاعد المبكر بصيغته الواسعة، إلا أن تلك التحذيرات لم تُترجم إلى سياسات كابحة في الوقت المناسب.
اليوم، ومع استمرار الاجتماعات النيابية لمناقشة التعديلات، يتسع النقاش ليشمل ليس فقط مستقبل القانون، بل أيضاً كيفية التعامل مع إرث السياسات السابقة، في ظل مطالبات بقراءة شاملة توازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.
إن إعادة بناء الثقة بمنظومة الضمان لا تقتصر على تعديل النصوص القانونية، بل تتطلب أيضاً مراجعة شفافة للمراحل السابقة، ومصارحة مسؤولة حول أسباب الاختلال، بما يضمن عدم تكرارها، ويؤسس لسياسات أكثر استدامة وعدالة.






