صدى الشعب- سلمى محمد الناطور
ليس كل رحيل يحتاج إلى الكثير من الكلام بعض الغياب يمرّ كثيفًا إلى هذا الحد، حتى يبدو أن أي محاولة لوصفه تُفسده
هكذا بدا خبر رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور؛ حزنٌ واضح، بلا جملٍ طويلة، يتسلّل بهدوء إلى الناس الذين عرفوا صوته قبل أن يعرفوه، وحملوا أغانيه في تفاصيل أيامهم، دون أن ينتبهوا كم صار جزءًا منهم.
منذ اللحظة الأولى لانتشار الخبر، لم يكن الحزن صاخبًا بقدر ما كان صادقًا. كلمات قليلة، تعليقات مقتضبة، ووداع يشبهه تمامًا: بسيط، قريب، وخالٍ من المبالغة كأن الغياب هذه المرة لا يُروى، بل يُحس به فقط.
مسيرة فنية وإنسانية تركت أثرًا حقيقيًا
وُلد الفنان اللبناني أحمد قعبور في بيروت عام 1955، في بيت عائلي موسيقي، حيث كان والده أحد أبرز عازفي الكمان في لبنان. منذ بداياته الفنية في منتصف السبعينيات، تنوعت أعماله بين الغناء، التلحين، والتمثيل، وارتبط اسمه بالقضايا الوطنية والإنسانية.
نال قعبور شهرة واسعة بألبومه الشهير “أناديكم” (1975) الذي ضم أغاني مثل “علو البيارق” و”يا نبض الضفة”، وارتبط صوته بالقضية الفلسطينية والهمّ العربي. وشارك أيضًا في أعمال درامية وسينمائية، منها أفلام “ندم” و”ناجي العلي”، ومسلسلات تاريخية مثل “البحث عن صلاح الدين” و”أبو الطيب المتنبي”.
وعُرف قعبور بالتزامه الاجتماعي، حيث اهتم بالأطفال وشارك في تلحين وإنتاج أعمال مسرحية وموسيقية لهم، بما فيها ألبوم “حبات الرمان” و”كوكتيل أغاني الأطفال”، كما تعاون مع كورال “دار الأيتام الإسلامية” لتقديم أغاني تعكس قيمًا تعليمية وإنسانية.
وأعلنت الصفحة الرسمية للفنان الراحل على “فيسبوك” عن وفاته، ونشرت أنه سيُصلى عليه ظهر يوم الجمعة الموافق 27 آذار 2026 في مسجد الخاشقجي ببيروت، ثم يُوارى الثرى في جبانة الشهداء.
وعقب الإعلان، خيم الحزن على مواقع التواصل، حيث نعى عدد من الفنانين والأوساط الثقافية الراحل، ومن بينهم باسم مغنية الذي كتب «تاريخك الفني مدرسة ربّتني وعلّمتني»، وكارمن لبس التي أكدت أن رحيله يمثل خسارة كبيرة في زمن يحتاج فيه الناس إلى الفن الملتزم والذاكرة الجميلة التي تركها.
إرث لا يغيب
مع رحيل أحمد قعبور، يغادرنا صوتٌ ارتبط بالذاكرة الجماعية لأجيال من اللبنانيين والعرب، لكنه يترك وراءه إرثًا يتجاوز الأغنية والمشهد الفني. إرثٌ ينبع من التزامه بالقضايا الإنسانية والوطنية، واهتمامه بالأطفال، ومشاركته في الحياة اليومية للناس بصوتٍ قريب من القلب.
تُظهر مسيرته أن الفن ليس مجرد أداء، بل رسالة؛ رسالة تؤثر، تربّي، وتذكر بأن لكل صوت قيمة، ولكل كلمة صدى. حتى بعد رحيله، يبقى أحمد قعبور حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، في الأغاني التي ما زلنا نسمعها، وفي القيم التي غرستها أعماله في وجدان المستمعين.
اليوم، لا يكتفي الحزن بأن يكون شعورًا مؤقتًا، بل يذكّرنا بأن هناك فنانين يصنعون حضورهم الدائم بصوت واحد، وكلمات قليلة، ومواقف واضحة. أحمد قعبور كان واحدًا من هؤلاء، وحين نودّعه، ندرك أن ما تركه لنا أكبر من أي غياب، وأن صدى صوته سيبقى مرآةً للإنسانية التي حملها طوال حياته.






