صدى الشعب – راكان الخريشا
في مشهد لافت أثار موجة واسعة من الجدل والتساؤلات، نشر البيت الأبيض صورة مموّهة على نحو غير مألوف، فتحت الباب أمام قراءات متعددة وتأويلات متباينة بين المتابعين، وبين من اعتبرها خللًا تقنيًا عابرًا، ومن قرأها كرسالة مقصودة تحمل دلالات سياسية أو إعلامية، تحولت الصورة إلى مادة للنقاش، تتجاوز كونها مجرد محتوى بصري إلى أداة تواصل تحمل في طياتها أكثر مما تُظهره
هذا الغموض الذي رافق الصورة، أعاد تسليط الضوء على أساليب التواصل الحديثة في الخطاب السياسي والإعلامي، حيث لم يعد الوضوح شرطًا أساسيًا لإيصال الرسائل، بل باتت بعض الجهات تعتمد على الإيحاء وترك مساحات للتفسير، بهدف إثارة التفاعل وجذب الانتباه، وبينما يراها خبراء خطوة مدروسة ضمن أدوات التأثير الرقمي، يحذر آخرون من تداعياتها على مستوى الثقة العامة، خاصة عندما تصدر عن مؤسسات رسمية يفترض بها تقديم الوضوح لا الغموض.
زيدان: الغموض في الخطاب الرسمي ليس أسلوباً مبتكراً
وفي هذا السياق أوضحت أستاذة الإعلام الرقمي، الدكتورة ربا زيدان، إن الصور الرسمية “المموّهة” الصادرة عن جهات بحجم البيت الأبيض لا يمكن التعامل معها كخطأ عابر أو خلل تقني، بل كفعل تواصلي إعلامي محسوب يحمل دلالات ورسائل ضمنية، حتى وإن لم يُعلن عنها بشكل مباشر. وترى زيدان أن ما جرى لا يندرج ضمن “صورة ناقصة”، بل أقرب إلى رسالة مكتملة قائمة على الغموض، حيث يتم توظيف غياب المعلومة كعنصر أساسي في إيصال المعنى.
وأضافت زيدان أن هذه الحالة تندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ”تصنيع الغموض المؤسسي”، وهو نهج تقوم فيه المؤسسة بعدم تقديم المعلومة بشكل مباشر، بل تعمد إلى تكثيف غيابها بصورة مقصودة، بحيث يتحول التمويه من كونه عيباً بصرياً إلى أداة جذب، ويصبح الغياب نفسه محرّكاً للتفاعل، في محاولة لدفع الجمهور إلى إكمال الصورة واستنتاج الرسالة.
وأشارت زيدان إلى أن الجمهور في البيئة الرقمية لا يتعامل مع الغموض بوصفه فراغاً، بل كدعوة مفتوحة للتأويل، حيث تتعدد القراءات بين من يراه تشويقاً لحدث قادم، ومن يفسّره كإشارة سياسية مبطنة، فيما يذهب آخرون إلى تبني نظريات مؤامرة أو احتمالات الاختراق. وتلفت إلى أن المفارقة تكمن في أن “كلما قلّت المعلومات، زادت الروايات”، ما يعني أن المؤسسة تتخلى جزئياً عن السيطرة على المعنى لصالح انتشار أوسع وتفاعل أكبر.
وفيما يتعلق بجدوى هذا الأسلوب، ترى زيدان أنه قد يكون “ذكياً” من حيث تحقيق الانتشار السريع وإثارة التفاعل (virality)، إلا أنه لا يخلو من مخاطر، خاصة عندما يصدر عن جهة رسمية. فالغموض قد يُفهم على أنه ارتباك أو خلل أو حتى اختراق، ما ينعكس سلباً على المصداقية المؤسسية، خصوصاً في حال عدم استكماله بتوضيح لاحق مقنع.
وأوضحت زيدان أن من الصعب تصور صدور مثل هذا النمط من المحتوى عن جهة بحجم البيت الأبيض دون قصد، مرجّحة أن يكون ذلك جزءاً من اختبار أساليب تواصل جديدة، أو محاولة لمجاراة منطق المنصات الرقمية الذي بات يعتمد على الإثارة أكثر من الإيضاح. ولفتت إلى أن دخول المؤسسات الرسمية إلى ما يُعرف بحملات “التسويق التشويقي” (teaser campaigns)، التي كانت في السابق حكراً على المجال التسويقي أو الحسابات غير الرسمية، يعكس تحولاً في أساليب الاتصال السياسي.
كما أشارت زيدان إلى أن هذا النمط من التواصل لا يمكن فصله عن طبيعة الشخصيات السياسية التي تلعب دوراً في توجيه الخطاب، مستشهدة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عُرف باستخدامه لأساليب تقوم على الإثارة والالتباس في حضوره الإعلامي، معتبرة أنه لا يُشكل نموذجاً يُحتذى به في بناء الثقة الإعلامية، حتى في موقع الرئاسة.
وترى زيدان أن ما يحدث يعكس تحولاً أعمق في الاتصال السياسي، حيث لم تعد الرسائل تُبنى فقط على الوضوح والإقناع، بل باتت تعتمد أحياناً على الإرباك، وخلق الفضول، وتأجيل المعنى، وهو ما يطرح تساؤلاً مهماً حول ما إذا كانت المؤسسات تخاطب الجمهور كمواطنين يحتاجون إلى المعرفة، أم كمستخدمين يُفترض جذب انتباههم أولاً، حتى لو كان ذلك على حساب الوضوح.
وفي هذا السياق، حذّرت زيدان من أن تكرار هذا النمط من المحتوى قد يؤدي إلى “تلويث المجال العام”، بحيث يصبح من الصعب التمييز بين ما هو جاد وما هو استعراضي، وبين ما هو معلومة حقيقية وما هو مجرد إثارة، ما يضعف الثقة العامة بالمؤسسات.
واشارت زيدان إلى أن الخطورة تتضاعف في الفترات الحساسة، مثل أوقات التوتر أو الحروب، حيث لا يكون الغموض مجرد أداة تفاعل، بل قد يتحول إلى سلوك غير مسؤول، يفتح الباب أمام الشائعات والتأويلات الخطرة، ويزيد من حالة القلق العام، بدلاً من تقديم الوضوح الذي يحتاجه الجمهور في مثل هذه الظروف، مؤكدة أن نشر محتوى مبهم في هذه السياقات قد يُقرأ كرسالة أو تلميح أو حتى تهديد غير محسوب، وهو ما لا يليق بخطاب رسمي مسؤول.






