صدى الشعب – يبرز اسم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف اليوم، كشخصية راكمت خبرة نادرة في مفاصل الدولة الإيرانية الأكثر حساسية؛ الحرس، الشرطة، بلدية طهران، ثم البرلمان؛ ما يطرح السؤال حول احتمالية توجيه هذه الخبرات نحو دور أهمّ، وهل يُدفع بقاليباف إلى أداء وظيفة تشبه، ولو جزئياً، الوظيفة التي اضطلع بها علي لاريجاني في سنواته الأخيرة؟
هذا السؤال، ينبع، ويكتسب وجاهته، من تتابع المواقع، والملفات، في سيرة قاليباف. فهو تولّى رئاسة بلدية طهران في 2005، وهو ذات الموقع المهم الذي شغله محمود أحمدي نجاد، قبل انتخابه رئيساً للجمهورية، ثم أصبح رئيساً للبرلمان في 2020، فيما كان لاريجاني قد شغل هذا المنصب طوال المدة من 2008 إلى 2020.
وفي التجربة الإيرانية، تعدّ “أمانة طهران”، مختبر إدارة العاصمة، بما تحمله من ثقل رمزي واقتصادي وسياسي. وبحسب متابعين، فإن قاليباف، حين خلف أحمدي نجاد في رئاسة البلدية، قاد مشروعات بنية تحتية واسعة طوال اثني عشر عاماً، وإن لاحقته اتهامات جديّة بالفساد وسوء إدارة الأموال العامة.
وعندما تُضاف هذه التجربة إلى رئاسة البرلمان، فإننا نكون أمام تجربة مزدوجة في إدارة توازنات الدولة حيث تكتسب رئاسة البرلمان في إيران معناها الحقيقي، حيث مجلس الشورى الإسلامي، أحد الممرات التي تعبر منها ملفاتُ الأمن القومي والسياسة الخارجية والعلاقة بين مؤسسات الحكم.
وكان علي لاريجاني، قد برز كأحد “مدبّري” التوازنات في النظام، ما يعكس أن رئاسة البرلمان هناك، موقع سيادي ذو وزن سياسي ونوعي.
ولهذا، فإن خلافة قاليباف لاريجاني يمكن قراءتها بوصفها انتقالاً في وظيفة ثقيلة داخل بنية الحكم، وظيفة تتطلب فهماً للمؤسسات وقدرة على إدارة التماسّ بين السياسي والأمني والديني.
ولد قاليباف عام 1961 في طرقبة قرب مشهد، ودخل الحرس الثوري عام 1980 خلال الحرب العراقية الإيرانية، ثم تدرج سريعاً في مواقع عسكرية وأمنية متقدمة. وأصبح قائداً في الحرس مبكراً، وتولى قيادة سلاحه الجوي عام 1997، ثم قيادة قوى الأمن الداخلي من 2000 إلى 2005، قبل أن ينتقل إلى عمادة بلدية طهران ثم إلى رئاسة البرلمان.
هذه السيرة تصنع نموذجاً معروفاً في الأنظمة المركبة؛ رجل يخرج من قلب الدولة الصلبة إلى واجهتها السياسية، دون أن يفقد لغتها الأولى.
ولا يقف تكوين قاليباف عند حدود الخبرة العسكرية، إذ يرفده أيضاً بعدٌ أكاديمي ذو دلالة لافتة، بحكم حمله درجة الدكتوراة في “الجغرافيا السياسية”، بحسب سيرته الذاتية.
وهذا التخصص لا يتصل بالجغرافيا بوصفها خرائط وحدوداً فحسب، بل بوصفها مجالاً لفهم العلاقة بين القوة والسياسة والمكان والدولة؛ كيف تُدار النفوذات، وكيف تتحدد المجالات الحيوية، وكيف تُقرأ التوازنات في الداخل والخارج.
من هذه الزاوية، تبدو خلفية الرجل جزءاً من بنية ذهنية أوسع تفسّر ميله إلى التفكير بمنطق التموضع والتوازن والسيطرة وإدارة المجال، أكثر من الخطابة الأيديولوجية المجردة.
ولهذا كله، لا يمكن فهم قاليباف فقط من خلال تصنيفه داخل المعسكر المحافظ. الأدق أن يقال إنه يتحرك داخل مثلث فعلي للقوة في النظام الإيراني؛ الحرس الثوري، البيروقراطية التنفيذية، والمظلة السياسية الدينية العليا.
مؤخراً، وصفت”رويترز”، الرجل بأنه بات “عقدة” أو “نقطة وصل” بين النخب السياسية والأمنية والدينية في لحظة اهتزت فيها قمة النظام وتقلصت فيها دائرة الأشخاص القادرين على الربط بين هذه العوالم الثلاثة.
وحين تناولت الوكالة أثر غياب علي لاريجاني، أشارت إلى أن قاليباف بات من أقوى الشخصيات المتبقية، لكنه يفتقر في الوقت نفسه إلى “الرأسمال الديني” أو “المرجعية الحوزوية” التي كان يتمتع بها لاريجاني داخل الهرمية الدينية.
ومعنى ذلك أن قاليباف قوي داخل المؤسسات، يعرف كيف يتحرك بينها، لكنه لا يعلو عليها جميعاً بالطريقة التي تسمح له بجمع تناقضاتها بسهولة.
ومن هنا، يظهر الفرق الجوهري بينه وبين لاريجاني؛ فالأخير لم يكن مجرد سياسي محافظ نافذ، بل كان يملك رأسمالاً أكثر تركيباً؛ خلفية أمنية وسياسية، وصِلات أعمق بالمؤسسة الدينية، وقدرة أوضح على مخاطبة الأجنحة المختلفة من موقع أقرب إلى الجامع بينها.
والأهم من ذلك أن لاريجاني لم يكن فقط صاحب مسار شخصي ثقيل، بل كان أيضاً ابن شبكة عائلية-دينية-سياسية استثنائية داخل الجمهورية الإسلامية. فقد جمع لاريجاني خصوصية دينية نادرة، كانت متجذرة في عائلته الدينية البارزة، وهو ما منحَه قدرة أكبر على لعب دور الوسيط بين مراكز القوة المتنافسة. إذ أن شقيقه صادق آملي لاريجاني تولى رئاسة السلطة القضائية ثم رئاسة مجمع تشخيص مصلحة النظام، بينما شغل شقيقه محمد جواد لاريجاني مواقع مؤثرة في البرلمان ودوائر الاستشارة العليا، فيما تولى شقيق آخر له مواقع اكاديمية متقدمة رئيساً لجامعة طهران. هذه الشبكة العائلية، بالإضافة إلى علاقات مصاهرة ربطته بمراجع عظام، شكّلت جانبا مهما من رأسماله السياسي النوعي.
ومن هذه الزاوية، فإن قاليباف، رغم ثقله المؤسسي الواضح، يفتقر إلى ذلك الامتداد العائلي الاجتماعي الاستثنائي الذي كان يشكل جزءاً من قوة لاريجاني ونوعية حضوره في الحياة السياسية الإيرانية.
ولهذا، فإن عبارة “لاريجاني الثاني” لا تصح إذا قُصد بها التطابق في البنية أو الدور التاريخي، لكنها تكتسب معنى إذا قصد بها وراثة وظيفة جزئية. بمعنى أن يُدفع رجل من داخل النظام، موثوق عند مراكزه الصلبة، إلى أداء دور يزاوج بين التماسك الداخلي والقدرة على حمل رسائل حساسة، من دون أن يكون هو نفسه نسخة عن لاريجاني. وهذا تمييز مهم، لأنه يخرجنا من وَهم التشابه الشخصي إلى فهم التشابه الوظيفي.
وتزداد هذه القراءة وضوحاً إذا نظرنا إلى موقع قاليباف داخل البيت المحافظ نفسه. حيث تقدمه مصادر إعلامية متخصصة بوصفه “رجل مؤسسة” معروفاً بأسلوب إداري فوقي وبراغماتي، وقريباً من الحرس الثوري، فيما تؤكد مصادر أخرى أنه صاحب مواقف متشددة وولاء صلب للنظام، لكنه يحافظ في الوقت نفسه على صورة “المحدّث البراغماتي”. وهذا هو، في الحقيقة، مفتاح شخصيته السياسية، فقاليباف ليس من طراز المحافظ العقائدي الصرف الذي يقوم وزنه كله على التشدد الأيديولوجي.
أما علاقته بالإصلاحيين والمعتدلين، فتشير سيرته إلى مشاركته في قمع احتجاجات الطلبة عام 1999، وإلى توقيعه، مع قادة آخرين في الحرس، رسالة تهديد إلى الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي. كما تذكر أنه تولى لاحقاً قيادة قوى الأمن، وأشرف على قمع احتجاجات 2003.
وهذا وحده كافٍ لوضع سقف منخفض لثقة كثير من الإصلاحيين به. لكن في المقابل، لا ينبغي الخلط بين عدم كونه إصلاحياً، وبين كونه منغلقاً تماماً على أي هامش من المرونة. فخبرته المؤسسية، قد تجعله أقدر من الجناح الأشد تصلباً داخل المحافظين على احتواء بعض المعتدلين أو توسيع هامش تهدئة تكتيكية إذا اقتضت مصلحة النظام ذلك.
ومع ذلك، لا يبدو قاليباف صاحب مشروع إعادة تأسيس للعلاقة بين الدولة والمجتمع أو بين النظام ومعارضيه الداخليين.
وفي هذا السياق بالذات، اكتسبت التسريبات الأخيرة التي ربطت اسم قاليباف بقنوات خفض التصعيد مع الولايات المتحدة قيمةً خاصة.
لكن، هذه النقطة تتطلب الحذر. فبينما نسبت وسائل إعلام عالمية إلى مسؤول إسرائيلي القول إن قاليباف كان يتفاوض باسم إيران مع الولايات المتحدة مع تصاعد الحرب، معتبرة ذلك دليلاً على صعود دوره. إلا أن تصريحات نُسبت لقاليباف نفسه، أكدت نفيه الصريح لأي مفاوضات مع الولايات المتحدة. وبين هذين المستويين، يصبح لزاماً على أي قراءة رصينة أن تميّز بين المعلومة المؤكدة والفرضية المتداولة.
ومع ذلك، فإن أهمية المسألة لا تكمن فقط في صحة التسريب أو خطئه، بل في أن مجرد تداول اسمه في هذا السياق، رغم نفيه، يكشف عن صورة وظيفية آخذة في التشكل حوله؛ صورة رجل يمكن تخيّله، عند الضرورة، في موقع يربط بين منطق الدولة الصلبة وحاجة النظام إلى قناة مضبوطة لخفض التصعيد. وهذا ليس استنتاجاً متعسفاً؛ فإذا كانت رئاسة البرلمان في إيران موقعاً يطلّ على الملفات الكبرى، وإذا كان قاليباف قد راكم قبلها خبرة بلدية العاصمة، وإذا كان ينتمي في الوقت نفسه إلى الحرس ويفهم منطق المؤسسة الصلبة، فإن طرح اسمه في أي حديث عن وساطة أو تهدئة أو إدارة طور انتقالي لا يبدو منبتّ الصلة بسيرته. بل قد يكون هذا الطرح منسجماً مع نوع الدور الذي يمكن للنظام أن يفضّل إسناده إلى شخصية من هذا النوع، إذا وجد نفسه مضطراً إلى الجمع بين أمرين متعارضين ظاهرياً: طمأنة قوى الحكم إلى أن التفاوض لا يعني التراجع عن صلابة النظام، وطمأنة الخارج إلى أن في طهران من يستطيع الكلام باسم الدولة لا باسم جناح منفلت فيها.
وهذا، في جوهره، أحد المعاني العميقة للمقارنة مع لاريجاني؛ لا لأن قاليباف يكرر شخصيته، بل لأنه قد يُستدعى لأداء جزء من الوظيفة التي كان لاريجاني يؤديها، ولكن بأدوات وأسلوب مختلفين.
بيد أن هذا كله لا يعني أن قاليباف هو الرجل المناسب لكل شيء. فهناك فرق كبير بين قيادة مرحلة توازن مؤسسي، وبين قيادة مرحلة توافق سياسي شامل. الأولى تتطلب رجلاً يفهم الأجهزة، ويضبط العلاقة بين الحرس والبيروقراطية والبرلمان ومركز القرار، ويستطيع أن يمنح الدولة فرصة لإعادة التموضع بعد الحرب أو تحت ضغطها. وهذه، على الأرجح، منطقة قوته الأساسية. أما الثانية، أي مرحلة الانفتاح الواسع على المعارضة الداخلية، أو إنتاج مصالحة تاريخية بين النظام وخصومه، أو بناء شرعية سياسية جديدة أعمق من شرعية البقاء، فتبدو أبعد كثيراً عن تكوينه وسقوفه. فقاليباف، بحكم نشأته وموقعه وسيرته، أقرب إلى رجل إعادة التنظيم منه إلى رجل التحول التأسيسي. هو مؤهل لعبور من الإنهاك إلى التماسك، لكن ليس من الواضح أنه مؤهل لعبور من التماسك إلى التعددية السياسية الواسعة. وهذا تحديد أكثر دقة لطبيعة الدور الذي قد يناسبه داخل إيران الحالية.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم صعوده الراهن بوصفه تعبيراً عن حاجة النظام إلى رجل مؤسسات أكثر من حاجته إلى رجل خطابة أو رجل عقيدة. فحين تضيق الخيارات، وتُستنزف النخبة، وتهتز القمة، تميل الأنظمة إلى الذين يعرفون دهاليزها أكثر ممّن يعرفون ساحاتها العامة. وقاليباف، في هذه اللحظة، يبدو من هذا الصنف بالضبط؛ رجلاً يملك خبرة الأجهزة، وثقة المؤسسة الصلبة، ويجلس فوق واحدة من أهم عُقد الدولة الإيرانية. وهذا ما يجعله مرشحاً طبيعياً، لا بالضرورة محسوماً، لأي دور يطلب من صاحبه أن يكون حلقة وصل بين مراكز الحكم، أو واجهة لإعادة التموضع، أو عنواناً لمرحلة ضبط داخلي تتخللها، ربما، قنوات تهدئة محدودة مع الخارج.
وعليه، فإن قاليباف ليس “لاريجاني الثاني” بالمعنى الكامل للكلمة؛ لا يملك رأسماله الديني المركّب، ولا مرونته السياسية العميقة، ولا صورته كجامع بين عوالم عدة بالأسلوب نفسه.
لكنه قد يكون، في المقابل، البديل الوظيفي الأقرب في مرحلة ضاقت فيها خيارات طهران، وازدادت حاجتها إلى رجل يجمع بين الصلابة والانضباط والقابلية المحدودة للتفاوض.






