تايه: لا تغيير في نمط التعليم على حساب الجودة والعدالة
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
في ظل الحرب الدائرة بين اميركا والكيان الصهيوني من جهة مع إيرانمن جهة اخرى، لم يتوقف الجدل محلياً منذ اللحظات الأولى لاندلاع المواجهات، إذ تصاعدت مطالبات من أولياء أمور بضرورة التحول إلى التعليم عن بُعد حفاظاً على حياة الطلبة وسلامتهم، في ظل أجواء الترقب والقلق التي تفرضها تطورات المشهد الإقليمي.
وفي المقابل، يرى آخرون أن العودة إلى هذا الخيار تستدعي قراءة متأنية لتجربة جائحة كورونا، التي فرضت تعليماً رقمياً شاملاً لفترة امتدت لعامين، وكشفت – رغم ضرورتها آنذاك – عن فجوة تعليمية ملموسة وآثار للفاقد التعليمي ما تزال المؤسسات التربوية تعمل على معالجتها حتى اليوم.
وبين هذين الموقفين، يتجدد النقاش حول مدى جاهزية المنظومة التعليمية لإدارة أي تحول محتمل، وما إذا كان التعليم عن بُعد يمثل حلاً احترازياً متوازناً في الظروف الاستثنائية، أم خياراً ينبغي أن تحكمه اعتبارات الجودة والعدالة التعليمية قبل أي شيء آخر.
وكانت مصادر حكومية أن الحكومة الأردنية تدرس إمكانية تحويل العملية التعليمية في المملكة إلى نظام التعليم عن بُعد، في إطار استعداداتها لمواجهة أي تطورات إقليمية قد تؤثر على السلامة العامة.
وبحسب المصادر، فإن الحكومة تبحث مختلف السيناريوهات المتاحة لضمان استمرارية التعليم دون انقطاع، مع إعطاء الأولوية لحماية الطلبة والكوادر التعليمية.
وأوضحت أن هذا التوجه يأتي كقرار سيادي على مستوى الحكومة، وليس من صلاحيات وزارة التربية والتعليم الأردنية بشكل منفرد، حيث يرتبط القرار بتقييم مستويات المخاطر في المنطقة.
لا ينبغي أن يُفهم على أنه رد فعل ظرفي
وبهذا الإطار، أكد الخبير التربوي فيصل تايه أن ما يتم تداوله في المواقع الإخبارية وما يدور من نقاش حول دراسة الحكومة خيار التحول إلى التعليم عن بُعد، يتطلب تناولاً تربوياً مهنياً ينسجم مع طبيعة القرار الاستراتيجي، بعيداً عن الطرح الانفعالي أو الانطباعي.
وشدد تايه خلال حدبثه لـ”صدى الشعب” على أن التعليم ليس مجرد إجراء إداري يُدار بالروتين، بل هو مشروع مجتمعي يستند إلى علم وفلسفة تربوية ويؤثر في بناء الإنسان واستدامة التنمية.
وقال إن أي خيار يتعلق بتغيير نمط التعليم يجب أن يرتكز على قدرات النظام التربوي واستعداده الحقيقي لتلبية احتياجات الطلبة، دون أن يكون ذلك على حساب جودة التعلم أو العدالة التعليمية.
وبين أن التحول إلى التعليم عن بُعد لا ينبغي أن يُفهم على أنه رد فعل ظرفي فقط، بل كأداة ضمن منظومة مرنة من السياسات التعليمية تضمن استمرار العملية التعليمية في الظروف الاستثنائية.
وأوضح أن الأنظمة التعليمية الحديثة لا تُقاس فقط بمدى جودة مخرجاتها في الظروف الطبيعية، بل بقدرتها على إدارة الأزمات وإيجاد بدائل تحفظ حق الطالب في التعلم دون انقطاع.
ولفت إلى أن طرح هذا الخيار في الأردن يعكس وعياً بأهمية وجود بدائل تنظيمية تحافظ على انتظام العام الدراسي وتحد من الفاقد التعليمي الذي قد ينشأ عن أي تعطيل أو توقف.
وأشار إلى أن النقاش في السياق الأردني لا ينطلق من فراغ تقني، بل من أرضية رقمية تعليمية قائمة يمكن البناء عليها، مبيناً أن وجود منصة درسك التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم لتقديم الدروس المرئية وفق المنهاج الوطني، يمثل نقطة ارتكاز عملية لأي انتقال منظم نحو التعليم عن بُعد.
وأضاف أن المنصة توفر محتوى تعليمياً معتمداً وموحداً لجميع الطلبة على امتداد المملكة، ما يقلل من زمن الاستجابة ويعزز العدالة في وصول المعرفة، كما أن توافر الدروس المرئية المصممة وفق تسلسل المنهاج يتيح للطالب إعادة المشاهدة بما يتناسب مع نمط تعلمه، الأمر الذي يعزز الاستيعاب ويحد من الفاقد المعرفي، خاصة لدى الطلبة الذين يحتاجون إلى تكرار الشرح أو دعم إضافي في ضوء فروق التعلم الفردية.
العدالة التعليمية تعني الاستفادة الفعلية لا مجرد إتاحة المنصات
وبيّن أن توظيف المنصة بكفاءة يتطلب الانتقال من مفهوم “إتاحة المحتوى” إلى مفهوم “إدارة التعلم”، بحيث تتضمن آليات تفاعل مباشرة، ومتابعة دورية، وتقييمات إلكترونية منضبطة تقيس التحصيل الحقيقي بموضوعية.
وأكد أن التحول، إذا ما تم تبنيه، لا ينبغي أن يضع العبء على المنصة وحدها، بل يستدعي تطوير أدوار الكوادر التربوية، مشيراً إلى أن المعلم في بيئة التعليم عن بُعد ليس ناقلاً للمعلومة فحسب، بل ميسراً لعلاقات تعلمية تفاعلية، ومصمماً لأنشطة تشجع على التفكير والتحليل، ومقيماً للطالب بعناية.
وشدد على أن الاستثمار الحقيقي في التدريب المهني المستمر للمعلمين على استخدام أدوات التعليم الرقمي يشكل ضرورة لضمان تصميم بيئات تعلمية رقمية محفزة، وللتأكيد على أن الحصص الافتراضية لا تكون مجرد إعادة للدروس المسجلة، بل فضاءات للتفاعل وطرح الأسئلة والمراجعة.
ولفت إلى أن نجاح هذا التوجه يتطلب معالجة الفجوة الرقمية لضمان تكافؤ الفرص، موضحاً أنه لا يمكن الحديث عن تعليم عن بُعد عادل إذا لم تتوفر لدى جميع الطلبة المعدات الأساسية أو إمكانية الاتصال الجيد بالإنترنت، أو إذا لم تتوافر لدى الأسرة القدرات التنظيمية لدعم تعلم أبنائها.
وأكد أن العدالة التعليمية لا تعني مجرد إتاحة المنصات الرقمية، بل ضمان قدرة الطلبة على الاستفادة الفعلية منها دون تمييز اجتماعي أو اقتصادي.
وحول الجانب التقييمي، دعا تايه إلى أن يواكب هذا التحول تطوير نظام تقويم تربوي ينسجم مع بيئة التعلم الرقمي، من خلال إعادة النظر في فلسفة الامتحانات التقليدية، مبيناً أن البيئة الرقمية تتيح الانتقال من قياس الحفظ والاسترجاع إلى قياس الفهم العميق، وحل المشكلات، والتفكير النقدي، والتطبيق العملي.
التعليم عن بُعد يمكن أن يتحول إلى فرصة للاصلاح
وأشار إلى أنه إذا أُحسن تصميم أدوات التقييم الرقمي، فإن التعليم عن بُعد يمكن أن يتحول إلى فرصة لإصلاح أحد أبرز تحديات النظام التعليمي، والمتمثل في نظام الامتحانات.
وحول المستوى الاجتماعي، أكد أن بناء الثقة المجتمعية في هذا التحول يعد أمراً محورياً، باعتبار أن المجتمع شريك أساسي في العملية التعليمية، وأن أي تحول كبير يحتاج إلى خطاب بسيط وواضح يشرح الأسباب والمبررات والضمانات، ويطمئن أولياء الأمور بأن جودة التعليم لن تتراجع، وأن المتابعة الأكاديمية ستكون دقيقة، وأن الدعم الفني والتربوي متاح.
وأضاف أن مقاومة التغيير غالباً ما تنبع من غياب المعلومة أو الخوف من المجهول، وليس من جوهر الخيار نفسه، مشيراً إلى أن الاستثمار في البنية الرقمية التعليمية لا يخدم مرحلة آنية فقط، بل يسهم في إعداد جيل يمتلك مهارات رقمية معرفية تتماشى مع متطلبات الاقتصاد الحديث.
وبيّن أن العالم يتجه نحو العمل المرن، والتعلم المستمر، والتفاعل مع مصادر المعرفة الرقمية، وهي مهارات لا تُكتسب دون تكريس التعلم في بيئات رقمية منذ مراحل مبكرة.
وشدد على أن القرار، إذا ما اتخذ، ينبغي أن يستند إلى رؤية تربوية واضحة وخطة تنفيذية متكاملة تشمل البنية التحتية، والتأهيل المهني للمعلمين، وتنظيم المتابعة والتقويم، ومعالجة الفجوة الرقمية، وإشراك الأسرة والمجتمع في العملية التعليمية.
وأكد أن التعليم عن بُعد ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتحقيق تعلم فعّال وعادل وآمن، موضحاً أنه إذا أُحسن تصميمه وإدارته، فإنه يمكن أن يتحول من خيار اضطراري إلى رافعة تطوير حقيقية تعزز مرونة وقدرة المنظومة التعليمية في الأردن على مواجهة تحديات المستقبل.






