صدى الشعب – كتبت سُهاد طالباني
في الثامن والعشرين من شباط 2026، لم تكن المشاهد المنقولة من طهران مجرد صور حرب كالتي اعتادها العالم؛ بل كانت إعلاناً عن منعطف تاريخي في فن تصفية القيادات. فقد اغتيل المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي، إلى جانب أكثر من عشرة من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين، في غضون ساعات قليلة وبدقة جراحية لم يسبق لها مثيل. السؤال الأجدر بالطرح ليس “ماذا حدث”، بل “كيف أصبح هذا ممكناً؟”.
من الاغتيال بالمخبر إلى الاغتيال بالخوارزمية
لم يكن اغتيال القادة في العمليات العسكرية تاريخياً سوى ضربة حظ، أو نتاج عملاء مُخترَقين داخل الدوائر الأكثر حساسية. لكن ما جرى في طهران يمثّل نقلة نوعية شاملة، إذ انتقل الاغتيال المُستهدَف من اعتماده على المُخبر البشري إلى منظومة متكاملة تجمع بين الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة والأسلحة الدقيقة الموجَّهة.
تشير التقارير إلى أن الأجهزة الاستخباراتية الأميركية رصدت ثلاثة اجتماعات رفيعة المستوى كانت تُعقد في وقت متزامن يوم السبت، من بينها اجتماع خامنئي نفسه، وتمكّنت من تتبّعها في الوقت الفعلي، مما أتاح شنّ ضربات تزامنية في ضوء النهار بشكل فاجأ النخبة الإيرانية في عقر دارها.
هذا “الرصد الآني” لاجتماعات سرية في قلب المنشآت الأكثر تحصيناً في إيران لا يمكن أن يتحقق بالوسائل التقليدية وحدها؛ إنه يعكس منظومة استخباراتية تعمل على عدة مستويات في آنٍ واحد: التجسس الإلكتروني وتحليل الاتصالات والبيانات الرقمية، واختراق شبكات الاتصال الداخلية، وربما توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل أنماط حركة القادة وجدولة نشاطاتهم.
القنبلة الخارقة.. الهندسة في خدمة الاغتيال
المشكلة الكبرى التي واجهت أي استخبارات في العالم تاريخياً هي معرفة موقع الهدف لكنّ عدم القدرة على الوصول إليه تحت طبقات من الخرسانة المسلّحة والعمق الجوفي. هنا دخلت التكنولوجيا لتحلّ هذه المعضلة بشكل شبه كامل.
يُرجَّح توظيف قنبلة GBU-57 الأميركية “قاطعة الأبنية” في العملية، وهي قنبلة يبلغ وزنها 13.6 طناً، قادرة على اختراق ما يصل إلى 60 متراً من الخرسانة المسلّحة – ما يعادل ارتفاع مبنى مكوّن من 22 طابقاً. وقد يُستخدم “الأسلوب التراكمي”، إذ تُلقى عدة قنابل في تتابع سريع على النقطة ذاتها، بحيث تحفر الأولى قدر إمكانها، ثم تقع الثانية في نفس الحفرة لتخترق عمقاً أكبر، وصولاً إلى المستوى الذي يختبئ فيه الهدف.
هذا الأسلوب ليس مجرد قنبلة ثقيلة تُلقى عشوائياً؛ بل هو تطبيق هندسي محسوب لقوانين الفيزياء والديناميكا. يستلزم التخطيط له نمذجةً رياضية دقيقة لطبيعة المواد الإنشائية ودرجة صلابة الأرض ووضع الغرف الداخلية، وهو ما يُنجز عبر برمجيات متقدمة تُحاكي تأثير الضربة قبل تنفيذها.
ولاغتيال خامنئي وجه شبه كبير بعملية اغتيال أمين عام حزب الله حسن نصر الله؛ إذ وظّفت إسرائيل في كلتا الحالتين استخباراتٍ دقيقة: مصدر سرب معلومات عن مكان تواجد نصر الله في مركز قيادة تحت الأرض، فيما استُخدمت أجهزة تقنية لتحديد عمق البنكر مع إطلاق ضربة بقنابل ثقيلة خارقة للتحصينات.
الذكاء الاصطناعي وتحديد الهدف.. الصياد الرقمي
التحوّل الأعمق في تقنيات الاستهداف لا يتمثل في حجم القنبلة أو دقتها، بل في الكيفية التي يُحدَّد بها الهدف أصلاً. لقد دخلنا عصر “صياد الهويات الرقمية”.
التكنولوجيا المستخدمة في هذا المجال تشمل عدة طبقات متكاملة. أولاً، تحليل أنماط الاتصالات؛ إذ تُحلَّل مليارات البيانات الرقمية لرسم خريطة تحركات الأهداف وعاداتهم وشبكات تواصلهم، مع تحديد الشذوذ في السلوك وربطه بالمواقع الجغرافية. ثانياً، التعرف على الوجه والبصمة الحيوية، حيث تستخدم الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية تقنيات التعرف على الوجه بالاشتراك مع الأقمار الاصطناعية وكاميرات المراقبة حتى في المناطق الأكثر تحصيناً. ثالثاً، الاختراق الإلكتروني للمنظومة الداخلية، وقد كشفت تقارير مفصلية عن عمليات سابقة كاغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده عام 2020 أن إسرائيل وظّفت رشاشاً آلياً مُتحكَّماً به عن بُعد عبر الأقمار الاصطناعية، يعمل بالذكاء الاصطناعي لتحديد الهوية والتصويب والإطلاق.
الاختراق الإلكتروني.. السلاح الصامت
في خضم ضربات شباط 2026، تمكّن قراصنة من اختراق تطبيق الصلاة الإيراني الشهير وبثّ تحذيرات مباشرة للقوات المسلحة في وسط حالة الفوضى السائدة. هذا الاختراق – رغم أنه قد يبدو ثانوياً – يكشف عن بُعد بالغ الخطورة: القدرة على اختراق الشبكات الرقمية الداخلية الإيرانية، بما فيها ربما القنوات الأكثر سرية.
يرى كاميرون شيل، الرئيس التنفيذي لشركة دراغانفلاي لتصنيع الطائرات المسيّرة، أنه يُرجَّح جداً أن منظومات الدفاع وشبكات الاتصال قد جرى اختراقها وتعطيلها بشكل شامل قبل بدء الضربة بوقت طويل. ويؤكد أن “الميدان الآن متعدد الأبعاد” بصورة لم يعهدها العالم من قبل.
درس نصر الله وخامنئي.. استمرارية المنهجية
ما جرى مع خامنئي ليس حادثة معزولة، بل حلقة في سلسلة تكشف عن منهجية راسخة. في أيلول 2024، اغتيل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله بعد أن ظلّ يتحرك في الأنفاق والمرافق السرية لعقود دون أن يُلقى عليه القبض. الاستخبارات الإسرائيلية حدّدت موقعه في بنكر تحت الضاحية الجنوبية بدقة متناهية، وأُلقيت عليه أطنان من القنابل الخارقة للتحصينات في ثوانٍ معدودة. قبله بعامين، كان ضربُ إسماعيل هنية في قلب طهران، وهو ما وصفه محللون بأنه اختراق استخباراتي “بالغ العمق”. وفي عام 2020، اغتيل قاسم سليماني بطائرة مسيّرة أميركية في بغداد بينما كان يغادر مطار بغداد الدولي في قافلة.
التداعيات الاستراتيجية.. عالم بلا قيادات آمنة
ما تكشفه هذه الأحداث المتراكمة هو أن التقنيات الحديثة قد ألغت فعلياً مفهوم “الملجأ الآمن” لأي قيادة عسكرية أو سياسية في العالم. لم تعد البنكرات العميقة والغرف المحصّنة واللجوء إلى الظلام الرقمي ضمانات كافية، لأن: التتبع الرقمي لأنماط الحياة اليومية يرسم خارطة سلوكية دقيقة تكاد تلغي عنصر المفاجأة. وقنابل الاختراق الحديثة تجعل العمق الجوفي لم يعد ملاذاً. أما الاختراق الإلكتروني للشبكات الاتصالية الداخلية يُبطل قيمة أشد الاتصالات سرية. فضلاً عن الطائرات المسيّرة الذكية التي تُبقي الهدف تحت المراقبة المستمرة لساعات.
السلاح الأخطر هو المعلومة
في نهاية المطاف، ما قتل خامنئي ونصر الله وسليماني من قبلهم لم يكن القنبلة أو الصاروخ أو الطائرة المسيّرة وحدها؛ بل كان البيانات. المعلومة الدقيقة عن الموقع واللحظة والعمق، التي جُمعت وحُللت وتحقّق منها نظام رقمي متكامل قبل أن يُضغط على الزناد.
لقد دخل العالم عصراً جديداً تُكتسب فيه الحروب وتُخسر في مراكز معالجة البيانات قبل حقول المعارك، وتُقرَّر فيه مصائر القادة في خوارزميات التحليل قبل أن تُعلنها القنابل






