البطوش: هدر الطعام خطر اجتماعي وبيئي يستدعي وعي داخل الأسرة الأردنية
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
في مفارقة تتكرر كل عام، يتحوّل شهر رمضان، شهر الصيام والاعتدال، إلى موسم استهلاكي ترتفع فيه معدلات الشراء والطهي والعزائم، مقابل تصاعد مقلق في حجم هدر الطعام.
ورغم الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، لا تزال الموائد تُثقل بأصناف تفوق الحاجة، وتُرمى كميات كبيرة من الطعام، في مشهد يطرح تساؤلات عميقة حول منظومة القيم الاستهلاكية السائدة وحدود الوعي المجتمعي.
هذا التناقض بين روح الصيام وسلوك الإسراف يكشف خللًا ثقافيًا وسلوكيًا، حيث بات الكرم يُقاس بعدد الأطباق لا بحكمة التدبير، وتحولت العزائم إلى منافسة اجتماعية تستنزف موارد الأسرة.
الهدر ظاهرة نفسية وثقافية أكثر من مادية
في هذا السياق، أكدت الاستشارية النفسية الأسرية والتربوية حنين البطوش أن حجم هدر الطعام في الأردن يتزايد خلال شهر رمضان المبارك بشكل يفوق المعدلات المعتادة، مشيرة إلى أن الشهر الذي يفترض أن يكون مساحة للزهد والاعتدال يتحول لدى كثير من الأسر إلى موسم استهلاكي ترتفع فيه كميات الطعام المُعدّة إلى مستويات تفوق الحاجة الفعلية.
وبيّنت البطوش خلال حديثها لـ”صدى الشعب” أن تضاعف العزائم والتجمعات العائلية، وزيادة تنوّع الأطباق اليومية، يدفعان الكثير من الأسر إلى إعداد أصناف متعددة بدافع الحماس أو التوقعات الاجتماعية، الأمر الذي يؤدي إلى بقاء كميات كبيرة من الطعام دون استهلاك حقيقي، معتبرة أن هذا التناقض بين روح الصيام وسلوك الإسراف يعكس خللًا في فهم فلسفة الشهر الفضيل، ويستدعي وقفة جادة لإعادة تقييم السلوك الاستهلاكي السائد.
وأشارت إلى أنه ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها العديد من الأسر، إلا أن الهدر لا يزال مستمرًا بل ويتوسع، ما يؤكد أن القضية ليست مادية بحتة، وإنما نفسية وثقافية بالدرجة الأولى، إذ ترتبط كثير من السلوكيات بالخوف من الإحراج الاجتماعي أو بالرغبة في إظهار الكرم بصورة مبالغ فيها.
وأضافت أن ضعف التخطيط المسبق، وشراء كميات عشوائية بدافع الجوع قبل الإفطار، إلى جانب العروض التسويقية المغرية، جميعها عوامل تعزز الاستهلاك الزائد، في ظل غياب الوعي بضبط الانفعالات الشرائية وإدارة الموارد الأسرية.
وبيّنت أن العادات الاجتماعية وثقافة “الموائد العامرة” أسهمت في تكريس مفهوم خاطئ عن الكرم، حيث بات معيار الجود يُقاس بعدد الأصناف لا بقيمة المشاركة، موضحة أن الكرم تاريخيًا كان يعني المشاركة بما يتوافر رغم قلته، بينما تحوّل اليوم لدى البعض إلى استعراض غير مقصود يثقل كاهل الأسرة ويؤدي إلى إهدار النعمة، في ظل ثقافة تغذيها المقارنات الاجتماعية والمنافسة غير المعلنة بين الأسر، خوفًا من الوصم بالبخل أو التقصير.
الآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية
ولفتت إلى أن الآثار المترتبة على هذا السلوك متعددة وخطيرة، اجتماعيًا، حيث يُضعف الهدر قيم الاعتدال والمسؤولية، ويُطبع الإسراف كسلوك مقبول، واقتصاديًا، يشكل عبئًا إضافيًا على ميزانية الأسرة، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار، ويحد من القدرة على الادخار وتوجيه الموارد نحو أولويات أكثر أهمية، أما بيئيًا، فيسهم في زيادة حجم النفايات واستنزاف الموارد الطبيعية من مياه وطاقة وأراضٍ زراعية، ما يجعل القضية ذات أبعاد وطنية تتجاوز حدود المطبخ المنزلي.
وأكدت أن الأطفال هم أكثر الفئات تأثرًا بهذه الممارسات، إذ يتعلمون من خلال الملاحظة، وحين يشاهد الطفل كميات الطعام تُرمى يوميًا، تتشكل لديه قناعة ضمنية بأن الغذاء متوفر بلا حدود، وأن الإسراف أمر طبيعي، ما ينعكس مستقبلًا على سلوكه الاستهلاكي، فيصبح أقل تقديرًا لقيمة الموارد وأضعف إحساسًا بالمسؤولية تجاه البيئة والمجتمع. ومن منظور تربوي، فإن ما يُمارس داخل البيت اليوم سيظهر كسلوك راسخ في شخصية الطفل غدًا.
وبيّنت أن الحد من هذه الظاهرة ممكن من خلال تبني الأسر خطوات عملية بسيطة لكنها مؤثرة، مثل التخطيط المسبق للوجبات، وإعداد قوائم أسبوعية واضحة، وتقدير الكميات وفق عدد أفراد الأسرة، وإعادة توظيف بقايا الطعام بطرق صحية، إضافة إلى إشراك الأطفال في عملية التخطيط لترسيخ قيمة الاعتدال لديهم، إلى جانب إعادة تعريف مفهوم الكرم داخل الأسرة ليُقاس بحسن الضيافة والتنظيم لا بكثرة الأصناف.
وشددت على أن رسالتها المباشرة في رمضان تتمثل في أن الكرم لا يتعارض مع الحكمة، وأن الحفاظ على النعمة جزء أصيل من الشكر، مؤكدة أن رمضان شهر تهذيب للنفس قبل أن يكون موسمًا للأطباق المتنوعة، وأن حسن إدارة الموارد وتقدير قيمة الطعام وتعليم الأبناء الاعتدال لا ينتقص من الكرم، بل يرفعه إلى معناه الحقيقي، ويمنحه أثرًا أعمق وأبقى.
الاعتدال تربية للانضباط
وأضافت أن التأمل في التراث الإسلامي والتربوي يكشف أن الاعتدال ليس مجرد توصية صحية، بل قيمة أخلاقية وسلوكية راسخة، مشيرة إلى ما أورده الإمام القاضي عياض في كتابه “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” من أن قلة الطعام والنوم كانت موضع مدح عند العرب والحكماء، باعتبارها دليلًا على القناعة وضبط النفس، بينما يعُدّ الإفراط مؤشرًا على الشره وضعف التحكم بالشهوة وما يترتب عليه من أذى للجسد وثقل في النفس وبلادة في الفكر.
واستشهدت بالهدي النبوي الشريف، حيث ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه… فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه»، معتبرة أن هذا التوجيه التربوي العميق يؤسس لثقافة التوازن، إذ لا يقتصر أثر الإفراط في الأكل على الصحة الجسدية فحسب، بل يمتد ليؤثر على صفاء الذهن والنشاط والقدرة على العبادة والعمل والإنتاج.
وبيّنت أن هذا الترابط بين الدين والصحة والسلوك يحمّل الأسرة مسؤولية تربوية واضحة، فحين يرى الأبناء أن الشبع المفرط أمر طبيعي، فإنهم يربطون المتعة بالإفراط، أما حين يشاهدون نموذجًا عمليًا في الاعتدال، فإنهم يتعلمون ضبط النفس وتأجيل الرغبات واحترام احتياجات الجسد الحقيقية، مؤكدة أن التربية على الاعتدال في الطعام هي في جوهرها تربية على الانضباط في الحياة كلها.
وأكدت أن الصيام ليس امتناعًا مؤقتًا يعقبه إفراط، بل تدريب روحي على التحكم بالشهوة، وأن تحويل موائد الإفطار إلى ساحة امتلاء مفرط يناقض فلسفة الصيام، مشددة على أن الكرم الحقيقي يتجلى في حسن التدبير، واحترام النعمة، ومشاركة الطعام بوعي دون إسراف.
وأكدت على أن الزهد ليس حرمانًا، بل حرية من عبودية الشهوة، وأن الاقتصاد في الطعام ليس بخلًا، بل وعي يحفظ الصحة، ويُربي النفس، ويصون الموارد، داعية إلى تربية الأبناء على أن الامتلاء ليس دليل نعمة، وأن القناعة ليست نقصًا، بل رقيّ في الفهم وسلامة في الجسد وصفاء في الروح.






