الضمان الاجتماعي على صفيح ساخن… تعديلات حكومية تواجه برلماناً وشارعاً مستاءً
صدى الشعب – راكان الخريشا
يتواصل الجدل في الأردن حول مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي، الذي تحوّل بسرعة من ملف تشريعي إلى قضية محورية تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والمجتمع، المشروع يضع الحكومة أمام اختبار بالغ الحساسية يتعلق بثقة المواطنين بمستقبل منظومة الحماية الاجتماعية، ويكشف حجم الانقسام بين النواب حول الطريقة الأمثل للإصلاح.
التعديلات المقترحة بين الاستدامة المالية والحقوق المكتسبة
تقول الحكومة إن التعديلات ضرورية لضمان استدامة المؤسسة مالياً، خصوصاً في ظل الفجوة المتنامية بين التزامات الضمان الاجتماعي والمدفوعات المخصومة من الدولة، لكن هذه الرؤية اصطدمت بموجة اعتراضات نيابية وشعبية واسعة، ترى أن الحل لا يمكن أن يتحقق عبر تحميل المواطن كلفة اختلالات اقتصادية تراكمت على مدى سنوات.
من أبرز البنود المثيرة للجدل رفع سن التقاعد تدريجياً إلى 65 عاماً للذكور و60 عاماً للإناث، وتشديد شروط التقاعد المبكر لتصبح 360 اشتراكاً، أي ما يعادل 30 سنة عمل، وإمكانية تطبيق التعديلات على المشتركين الحاليين، بما في ذلك من اقتربوا من سنوات التقاعد.
هذه البنود أثارت أسئلة أساسية حول جدوى الإصلاح هل المشكلة فعلاً في عمر التقاعد، أم في سوق العمل الذي يعاني بطالة مرتفعة ودخولاً متأخراً للشباب.
طهبوب: المقترح المقدم مرفوض جملة وتفصيلاً”
قالت النائب ديمة طهبوب، إن مشروع تعديلات قانون الضمان الاجتماعي لم يسبق له مثيل من حيث رد الفعل السلبي في المجتمع، منذ أيام تعديلات قانون ضريبة الدخل التي أدت إلى سقوط حكومة هاني الملقي، وأوضحت طهبوب أن الحكومة، التي اعتمدت طوال السنوات الماضية أسلوب التطمين بشأن متانة المركز المالي لمؤسسة الضمان وضمان عدم تأثير اقتراضها على الملاءة المالية، فاجأت المواطنين الآن بإجراءات “قاسية من العيار الثقيل”، حملت على عاتقهم عبء سنوات من التراخي والفشل المتراكم في استثمارات الضمان، مشيرة إلى غياب الشفافية بعدم نشر نتائج الدراسات الاكتوارية للمختصين ولعموم الشعب.
وأضافت طهبوب في تصريح خاص لصدى الشعب نحن كنواب نقع بين نارين حقوق المواطنين المشتركين التي يجب حمايتها، وحاجات سوق العمل الأردني التي ستتأثر برفع سن التقاعد، من جهة، والحرص على استدامة المؤسسة كبنك للأجيال من جهة أخرى، ومع ذلك لم تقم الحكومة بدورها في تقديم حلول وسطية يمكن تقاسم عبئها، وإنما رمت التعديلات على المواطنين وحدهم، ولهذا فإن المقترح المقدم مرفوض جملة وتفصيلاً”.
وأكدت طهبوب أن خبراء الضمان الاجتماعي لديهم حلول تحفظ حقوق المشتركين واستدامة المؤسسة في الوقت نفسه، مشيرة إلى أن الحكومة اعتادت في القوانين الإشكالية تقديم “أسوأ ما عندها”، حتى إذا جاء وقت التراجع كانت تمنح بعض التعديلات التوافقية للشركاء، ومن بينهم مجلس النواب، إلا أن ما حدث هذه المرة “خطوة غير مقبولة تستنزف أعصاب الشعب”، الذي استيقظ على زلزال المشروع وبدأ يحسب كيف يحمي مدخراته بعد سنوات من الاستثمار والاعتماد على الضمان كـ”القرش الأبيض ليوم التقاعد”.
وختمت طهبوب الأثر ليس فقط ماليًا، بل في زعزعة الثقة في مؤسسة تمثل طموح الأردنيين بمستقبل كريم ومستقر. وفي الدول الديمقراطية المتقدمة، مثل هذه الإجراءات كفيلة بإسقاط الحكومة”.
المشهد التشريعي مواجهة وشيكة
رغم أن مشروع القانون ما يزال في مرحلة المسودة ولم يصل رسمياً إلى مجلس النواب، إلا أن النقاش المسبق كشف حجم الحساسية السياسية والاجتماعية، المجلس أمام ثلاث قوانين مثيرة للجدل، ما يجعل تمرير أي تعديل عملية سياسية معقدة تحتاج توافقاً وطنياً واسعاً.
اختبار الثقة الأكبر
قانون الضمان الاجتماعي لم يعد مجرد تعديل تشريعي، بل أصبح اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة على الموازنة بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.
بين رؤية حكومية تركز على حماية المستقبل المالي، ومواقف نيابية تتراوح بين التحليل الاقتصادي، التحذير السياسي، والدفاع الدستوري عن الحقوق، يقف الأردن أمام نقاش وطني عميق حول شكل الحماية الاجتماعية في السنوات المقبلة.
ويبقى السؤال هل سينجح الإصلاح في تعزيز الثقة والعدالة، أم يتحول القانون إلى أزمة سياسية واجتماعية كبرى؟






