شركس: كلفة الفحوصات أقل من كلفة اضرار مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
قال مدير إدارة الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة سابقًا، واستشاري الصحة العامة والأوبئة في جامعة ابن سينا للعلوم الطبية، الدكتور غازي شركس، إن مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية تُعد من القضايا الصحية القديمة المتجددة، والتي تحظى باهتمام واسع على المستويين المحلي والعالمي، مؤكدًا أن الأردن يواجه واقعًا صحيًا غير جيد في هذا الملف، وصل إلى حد الأزمة الصحية الحقيقية.
وأوضح شركس، خلال حديثه لـ”صدى الشعب”، أن مقاومة المضادات الحيوية تُعد من أبرز التحديات الصحية عالميًا، إلا أن الدول الأكثر تضررًا هي تلك التي تعاني من ضعف أو غياب التشريعات الصارمة التي تحكم صرف المضادات الحيوية، مشيرًا إلى أن الأردن يُعد من بين هذه الدول، حيث تشهد السوق المحلية عشوائية واضحة في صرف المضادات الحيوية.
وأضاف أن واقع مقاومة المضادات الحيوية في الأردن “غير جيد”، معتبرًا أن القرار القاضي بمنع صرف المضادات الحيوية دون وصفة طبية كان ينبغي اتخاذه منذ سنوات طويلة، إلا أن صدوره في هذا التوقيت يُعد خطوة إيجابية ومهمة، خاصة في ظل تفاقم المشكلة ووصولها إلى مرحلة حرجة.
وأكد أن قرار منع صرف المضادات الحيوية دون وصفة طبية يُعد قرارًا مهمًا جدًا وضروريًا، لافتًا إلى أنه سبق تجربة تعاميم محدودة في هذا الإطار خلال السنوات الماضية، لكنها لم تحقق الالتزام المطلوب، ما استدعى إصدار قرار أكثر صرامة وجذرية لضبط هذه الممارسة.
وبيّن أن القرار الحالي من شأنه أن يُحدث أثرًا إيجابيًا كبيرًا، وأن يسهم في الحد من ظاهرة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، مؤكدًا أن الأردن بات بحاجة ملحة لمثل هذه الإجراءات الحازمة للسيطرة على هذا الملف الصحي الخطير.
وحول الإلزام صرف المضادات الحيوية بإرفاق تقرير زراعة وحساسية مخبرية، قال إن هذا الإجراء يُعد قرارًا علميًا سليمًا وجيدًا، كونه يحد من صرف المضادات دون مبرر طبي حقيقي، ويُسهم في التأكد من حاجة المريض الفعلية لتناول المضاد الحيوي المناسب.
وأوضح أن إجراء فحص الزراعة والحساسية المخبرية يضمن أن يكون صرف المضاد الحيوي قائمًا على أسس علمية، بدلًا من الوصفات العشوائية التي لا تستند إلى تشخيص دقيق، معتبرًا أن هذا الإجراء قابل للتطبيق في الحالات الاعتيادية، شريطة وجود تعاون وتكامل بين مختلف الجهات الصحية.
وشدد على ضرورة استثناء الحالات الطارئة من هذا الاشتراط، موضحًا أن بعض الحالات المرضية تتطلب البدء الفوري بإعطاء المضاد الحيوي لإنقاذ حياة المريض، لا سيما أن نتائج الزراعة المخبرية تحتاج إلى ما بين 24 و48 ساعة للظهور، وهو وقت قد لا يسمح به الوضع الصحي لبعض المرضى.
وأشار إلى أن هناك أمراضًا وحالات طبية يكون فيها إعطاء المضاد الحيوي إجراءً منقذًا للحياة، ما يستدعي المرونة في التطبيق، خصوصًا في أقسام الطوارئ والعناية الحثيثة.
وأضاف أن الجهات التي وضعت القرار ستأخذ، على الأرجح، هذه الاعتبارات بعين الاهتمام، من خلال استثناء حالات الطوارئ والحالات الحرجة التي تتطلب تدخلًا علاجيًا عاجلًا، مبينًا أن الأطباء قادرون على تمييز هذه الحالات التي تستوجب البدء الفوري بالعلاج.
وحول الكلفة الاقتصادية للفحوصات المخبرية، أوضح أن إلزام المرضى بإجراء فحوصات الزراعة والحساسية يُعد مكلفًا، لا سيما على المرضى غير المؤمنين صحيًا، في حين أن تأثيره يكون محدودًا على المؤمنين صحيًا.
ودعا في هذا السياق إلى ضرورة أن تأخذ القطاعات الصحية بعين الاعتبار هذه الكلفة، من خلال مراجعة تسعيرة الفحوصات المخبرية، بما يخفف العبء المالي عن الفئات غير المؤمنة، مؤكدًا أن هذه الكلفة تبقى أقل بكثير من العبء الاقتصادي والصحي الكبير الذي تفرضه مقاومة المضادات الحيوية، والتي تؤدي إلى حالات مرضية يصعب علاجها، بل وإلى ارتفاع معدلات الوفيات نتيجة عدم توفر مضادات فعالة.
ولفت إلى أن مقاومة المضادات الحيوية قد تدفع بالنظام الصحي إلى مرحلة حرجة، تتزايد فيها الحالات التي لا تستجيب للعلاج، وهو ما يشكل خطرًا حقيقيًا على الصحة العامة.
وعن سبل تحقيق التوازن بين ضبط صرف المضادات الحيوية وضمان سرعة إنقاذ المرضى، أكد أن هذا التوازن يتطلب استثناء الحالات الطارئة التي تستوجب التدخل العاجل، إلى جانب العمل على تسريع إجراءات الفحوصات المخبرية قدر الإمكان، والاستثمار في التقنيات الحديثة التي تقلل من زمن ظهور النتائج، بما يسهم في اتخاذ القرار العلاجي المناسب في وقت أقصر.
وأشار إلى أن القرار جاء بعد الوصول إلى مرحلة حرجة من عبء مقاومة المضادات الحيوية، وبعد تجارب متعددة لإجراءات سابقة لم تحقق النتائج المرجوة، مؤكدًا أن العشوائية في صرف المضادات لا تزال قائمة، حتى في بعض الحالات التي يتم فيها صرف الدواء بوصفة طبية.
وأوضح أن بعض الوصفات الطبية لا تستند دائمًا إلى قناعة علمية حقيقية بالحاجة إلى المضاد الحيوي، ما يؤدي إلى هدر الدواء دون داعٍ، الأمر الذي دفع المؤسسة العامة للغذاء والدواء، بحسب تقديره، إلى اتخاذ قرار حاسم للحد من هذه الظاهرة.
وحذّر من أن استمرار هذا النمط من الاستخدام العشوائي قد يقود إلى “مرحلة اللاعودة”، حيث تصبح العديد من الأمراض المعدية غير قابلة للعلاج نتيجة فقدان المضادات الحيوية فعاليتها، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفاة.
وأكد أن القرار جاء في توقيت مناسب، وأن دوافعه مبررة علميًا وصحيًا، مثمنًا جهود المؤسسة العامة للغذاء والدواء في هذا الإطار، وداعيًا جميع الجهات الصحية، من أطباء وصيادلة ومؤسسات طبية، إلى التعاون الكامل لإنجاح هذه الخطوة الوطنية المهمة، حفاظًا على صحة المواطنين وسلامتهم.
يذكر أن المؤسسة العامة للغذاء والدواء، فعّلت قرارا يقضي بعدم صرف المضادات الحيوية إلا بوصفة طبية.






