نصار : الشعر مسؤولية لغوية قبل أن يكون فنًا
صدى الشعب -أسيل حمال الطراونة
ترى الروائية والشاعرة حنين نصار أن الشعر يؤدي دورًا محوريًا في الحفاظ على اللغة العربية من الاندثار، مؤكدة أن القصيدة ليست مجرد نص جمالي، بل وعاء حيّ للغة والتجربة الإنسانية. وتوضح نصار أن الشعر يعبّر عن الشعور والتجربة بلغة جزلة وموحية، ما يجعل اللغة قابلة للتداول والاستمرار، ويحفظها من الزوال عبر الأجيال.
وفي حديثها عن مكانة الشعر بين الفنون الأدبية، تؤكد نصار أن الشعر هو الأقرب لحفظ جمال اللغة العربية، لما تمتلكه لغته من قدرة عالية على التأثير في المتلقي، ووصف المشاعر بأسلوب جاذب ومعبّر. وتشير إلى أن قارئ الشعر أو مستمعه يجد المتعة والجمال، وهو ما يشكّل سببًا جوهريًا في التمسك باللغة والتعبير عن جمالها. كما تضيف أن الشعر يتعامل مع اللغة في أعلى درجات صفائها وكثافتها، حيث تُختبر مرونة الكلمة وقدرتها على الإيحاء، ويبرز جمال اللغة حين تُحمَّل المعنى والإيقاع معًا، وهو ما يتيحه الشعر أكثر من غيره من الأجناس الأدبية.
و، توضّح نصار أن هناك اختلافًا جوهريًا بين اللغة الشعرية واللغة المستخدمة في الحياة اليومية؛ فاللغة اليومية لغة مباشرة ووظيفية، تميل إلى الخطابية، ومجرّدة في الغالب من العاطفة والرمزية، وغايتها إيصال المعنى بأقصر الطرق. في المقابل، تتميز اللغة الشعرية بالعمق والإيحاء، وبقدرتها على المواربة والتأثير والوصف، فهي لغة مشحونة بالدلالات، تحتمل أكثر من قراءة، وتُقال بوعي واختيار دقيق للكلمة.
وفيما يتعلق بالالتزام باللغة العربية الفصحى في الشعر، ترى نصار أن ذلك مسؤولية حتمية لا يمكن اعتبارها خيارًا إبداعيًا، معتبرة أن الشعر الذي لا تُكتب لغته بجزالة وفصاحة لا يمكن أن يُعد شعرًا حقيقيًا. لكنها في الوقت ذاته تشدد على أهمية أن تكون اللغة منسجمة مع ذائقة العصر، واضحة وسهلة الوصول، بعيدًا عن الألفاظ المهجورة والمتكلّفة، بحيث تلائم طبيعة الزمن الذي نعيشه.
وحول دور الشعر الحديث في خدمة اللغة العربية، تؤكد نصار أن الأصل في الشعر الحديث أن يخدم اللغة، إلا أن الأمر يبقى مرهونًا بوعي الشاعر نفسه؛ فالشعر الحديث قادر على الإسهام في خدمة العربية إذا كُتب بحس لغوي وجمالي، لكنه قد يبتعد عنها حين يُفرّغ من لغته أو يُكتب دون وعي لغوي حقيقي.
وتشير نصار إلى أن الشعر يُعد وسيلة تعليمية مباشرة للغة العربية، لكنها توصف بأنها أكثر جذبًا وتشويقًا وأسهل في التعلّم. فمحبو الشعر يتعلمون اللغة بحب ومتعة، دون الشعور بالإلزام أو صعوبة القواعد، غير أنها تؤكد في هذا السياق أن على الشعر أن يلامس اهتمامات الجيل الحالي من حيث المضمون، وإلا فلن يحظى بالإقبال أو فرصة الاستماع والقراءة.
وفي ختام حديثها، تتناول نصار التحديات التي تواجه الشاعر في استخدام العربية اليوم، مشيرة إلى أن هذه التحديات تطال الشعر والشاعر معًا، في ظل هيمنة اللهجات المحلية واللغات الأجنبية، وضعف الذائقة اللغوية لدى المتلقي، إضافة إلى الخلط الشائع بين البساطة والسطحية.
وتختم بالقول إن الشاعر اليوم مطالب بكتابة لغة أصيلة وقادرة في الوقت ذاته على الوصول إلى الجمهور، وهو توازن دقيق ليس سهلًا تحقيقه دائمًا.






