التعفّن الدماغي وظاهرة العصر الرقمي بين الأطفال والكبار
صدى الشعب – راكان الخريشا
في ظل الانفجار الرقمي والمعلوماتي الذي يعيشه العالم اليوم، أصبح الدماغ معرضًا لما يُعرف بـ التعفّن الدماغي، وهي ظاهرة حديثة تنتج عن الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي السريع والمتواصل، هذه الحالة لا تؤثر على الدماغ كعضو بيولوجي، بل على وظائفه المعرفية الأساسية مثل الانتباه، والذاكرة قصيرة المدى، والقدرة على التفكير العميق والتحليلي، ومع التدفق المستمر للمعلومات والإشعارات، يعتاد الدماغ على الإثارة السريعة ويصبح أقل قدرة على الصبر والتركيز لفترات طويلة، وتزداد المخاطر بشكل خاص على الأطفال والشباب، الذين هم في طور النمو العقلي، حيث قد يؤدي الإفراط الرقمي إلى تراجع التحصيل الدراسي، وزيادة التشتت، والتأثير على السلوكيات اليومية، وفي الوقت الذي توفر فيه التكنولوجيا معرفة بلا حدود، يطرح هذا الواقع تساؤلات مهمة حول كيفية الحفاظ على صحة الدماغ وقدرته على التعلم والتفكير العميق في عصر السرعة الرقمية.
وفي هذا السياق قالت، الدكتورة ربا زيدان، أستاذة الإعلام الرقمي في جامعة البلقاء التطبيقية، إن مصطلح التعفّن الدماغي (Brain Rot) ليس مصطلحًا علميًا دقيقًا، بل توصيف ثقافي ذكي لظاهرة حديثة يعاني منها الإنسان في عصر المعلومات الرقمية، وتوضح ما ‘يتعفّن’ هنا ليس الدماغ كعضو بيولوجي، بل وظائفه المعرفية الأساسية الذاكرة قصيرة المدى، الانتباه، والقدرة على التفكير العميق، المفارقة أن هذه الظاهرة تحدث في زمن المعرفة اللامحدودة، حيث نعرف الكثير، لكننا نحتفظ بالقليل.
وترى زيدان أن السبب الرئيسي وراء هذه الظاهرة يكمن في فرط التعرض للمعلومات دون معالجة، “نستهلك يوميًا كميات هائلة من المعلومات عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، التي صُممت على منطق السرعة والإشعارات والتمرير اللانهائي، ما يخلق حالة استنفار ذهني دائم، المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في الإيقاع الذي فرضته على أذهاننا، حيث تختفي المساحات الهادئة ويتراجع التفكير العميق لصالح الاستجابة السريعة.
وتشير زيدان إلى أن التعفّن الدماغي يظهر في ضعف التركيز لفترات طويلة، صعوبة التذكّر، وتراجع التفكير التحليلي، الدماغ يعتاد على الإثارة السريعة، فيشعر بالملل من أي نشاط ذهني مستمر، كالمطالعة أو النقاش العميق، قد تبدو سرعة التفكير أعلى ظاهريًا، لكنها غالبًا سطحية، قائمة على ردود فعل فورية لا على بناء أفكار متماسكة.
وترى أن الأطفال والشباب هم الفئة الأكثر عرضة للتأثر، لأن أدمغتهم لا تزال في طور التشكّل، ويزيد التعرض المكثف للمحتوى الرقمي المبكر من خطر ضعف مهارات الانتباه، الصبر، والتفكير النقدي، وتضيف زيدان “القلق هنا لا يرتبط بالحاضر فقط، بل بالمستقبل، إذ قد تتشكّل أنماط تعلّم وسلوك يصعب تعديلها لاحقًا.”
ولفتت زيدان إلى أبرز العلامات التحذيرية التشتت المستمر، الحاجة المتكررة لتفقد الهاتف، صعوبة الجلوس دون شاشة، ضعف التركيز أثناء القراءة أو الدراسة، والشعور بالإرهاق الذهني رغم قلة الجهد،أحيانًا يظهر ذلك في نفور غير مبرر من الأنشطة الهادئة أو الحوار الطويل، وكأن العقل لم يعد يحتمل البطء.
وعن الأثر النفسي الطويل، تؤكد زيدان أن الحالة قابلة للتعافي إذا تم التعامل معها بوعي، لكنها قد تؤدي إلى مشاعر القلق والتوتر وربما الاكتئاب الخفيف الناتج عن التشبّع المعلوماتي وفقدان الإحساس بالسيطرة أو المعنى، حيث يكون الأثر تراكميًا وصامتًا أكثر من كونه صادمًا.
وتنصح زيدان بضرورة إعادة تنظيم العلاقة مع المحتوى الرقمي، مع تقليل الإشعارات، تحديد أوقات خالية من الشاشات، اختيار مصادر موثوقة، والعودة إلى أنشطة تتطلب تركيزًا عميقًا مثل المطالعة أو الكتابة، و”الدماغ يحتاج إلى إيقاع أبطأ ليستعيد قدرته على الفهم، لا مجرد الاستجابة”، كما تقول.
وتختم حديثها بالتأكيد على أثر التعفّن الدماغي على الأطفال، مشيرة إلى أنه قد يظهر في ضعف الانتباه، تراجع التحصيل الدراسي، سرعة الغضب، أو الميل للعزلة، مؤكدة على دور الأسرة والمؤسسات التربوية في خلق توازن صحي بين العالم الرقمي والواقع.






