صدى الشعب – كتب : فيصل تايه
حين يرحل شاعر بحجم عبد الناصر صالح التايه، لا يكون الغياب مجرد واقعة تسجل في دفتر الفقد، بل شرخاً صامتاً في بنية الوعي الثقافي ذاته؛ فثمة شعراء لا يكتبون القصيدة بوصفها نصاً عابراً ، بل يؤسسون بها وعياً، ويقيمون في لغتها بيتاً للذاكرة، ويتركون أثرهم كما يترك الكبار أثرهم حين يعبرون الزمن لا اللحظة.
برحيله، تفقد فلسطين واحداً من أنقى أصوات كلمتها، شاعراً لم يتعامل مع الشعر بوصفه زينة لغوية أو زخرفة ثقافية، بل باعتباره موقفاً أخلاقياً، وفعلاً مقاوماً، وسجلاً نابضاً بالذاكرة الوطنية ، فقد كان عبد الناصر صالح شاعر الحرية لا باللقب، بل بالفعل؛ كتب قصيدته من داخل التجربة الحية، من الزنزانة والقيد، ومن الاشتباك اليومي مع القمع، فحول العتمة إلى لغة، والسجن إلى أفق، والألم إلى جمال لا ينكسر.
لم تكن قصيدته انعكاساً لحالة ذاتية معزولة، بل وجداناً جمعياً، يقرأ فيه الفلسطيني نفسه لا بوصفه ضحية، بل كائناً يصر على الحياة والكرامة ، ومن هنا جاء التقدير النقدي الواسع لتجربته الشعرية، حيث تناولتها عشرات الدراسات والقراءات في الجامعات والمنابر الثقافية العربية والدولية، لا لأنها عبرت عن المعاناة فحسب، بل لأنها قدمت نموذجاً نادراً يوازن بين الصرامة الجمالية والالتزام الوطني، دون أن يضحي بأحدهما لصالح الآخر.
وكان طبيعياً أن يخرج هذا الصوت من بيت عرف معنى النضال قبل أن يعرف معنى القصيدة؛ فقد نشأ عبد الناصر صالح في كنف المناضل الكبير محمد علي الصالح التايه، أحد رجالات فلسطين الذين صاغوا وعيهم في مواجهة الاحتلال، وعلموا أبناءهم أن الوطن مسؤولية يومية، وأن الكلمة امتداد طبيعي للفعل ، ففي ذلك البيت تشكلت بوصلة الشاعر الأولى؛ فكبر وهو يرى في النضال قيمة أخلاقية لا شعاراً ، وفي الكلمة مسؤولية لا مجرد فن، وفي فلسطين معنى يسكن الحياة كلها ، ومن هذا الإرث المتجذر خرج عبد الناصر صالح حاملاً القضية في صوته، كما حملها والده في مواقفه ومسيرته، ليكون الابن الذي ورث المعنى قبل الاسم، واستكمل الطريق بلغة الشعر.
وإلى جانب حضوره الشعري، كان عبد الناصر صالح مثقفاً وطنياً من طراز نادر، شغل مواقع ثقافية ومسؤوليات عامة تليق بمكانته وسيرته، من بينها وكيل وزارة الثقافة الفلسطينية سابقاً، وعضو الأمانة العامة للاتحاد العام للأدباء والكتّاب الفلسطينيين وأحد مؤسسيه، وعضو المجلس الوطني الفلسطيني ، غير أن تلك المواقع لم تصنع حضوره، بل كان حضوره هو الذي منحها معناها؛ إذ ظل في جوهره شاعراً منحازاً للناس، وللحرية، وللحق الفلسطيني دون مواربة أو تبديل مواقع.
وفي زمن تكثر فيه الأصوات وتقل المعاني، كان عبد الناصر صالح واحداً من أولئك القلائل الذين يذكروننا بماهية المثقف الحقيقي؛ لا ذاك الذي يكثر من القول، بل الذي يثقل المعنى ، فلم يكن صوته مرتفعاً لأنه كان واثقاً، ولم يكن حضوره صاخباً لأنه كان راسخاً ، وحين صار كثيرون يقاسون بمواقعهم، كان هو يقاس بمواقفه ، وحين استُبدلت الثقافة بالادّعاء، بقي شاهداً على زمنٍ كانت فيه الكلمة التزاماً لا زينة، ومسؤولية لا مهنة.
عرفناه وعرفه رفاقه وأصدقاؤه إنساناً نبيلاً، قريباً، صادقاً ، لا يتقدم الصفوف طلباً للأضواء، بل يجد نفسه فيها حين تستدعيه اللحظة ، خمسون عاماً وأكثر من الرفقة في دروب الشعر والنضال كانت كافية ليعرفه الجميع على حقيقته : رجلاً ظل وفياً لبداياته، لم يبدل لغته ولا بوصلته، وبقي حتى أيامه الأخيرة يسكنه حلم فلسطين كما يسكن القلب نبضه.
واليوم، إذ نودّع عبد الناصر صالح التايه، لا نرثي فرداً، بل نواجه فقداً وطنياً وثقافياً وإنسانياً جسيمًداً؛ فلسطين تفقد شاعرها ومناضلها، والأدب العربي يخسر واحداً من أصواته الرفيعة، والضمير الجمعي يفتقد نبرة صادقة لا تعرف المساومة ، غير أن عزاءنا العميق أن أمثال عبد الناصر لا يغيبون تماماً؛ فهم يبقون في النص، وفي الذاكرة، وفي ذلك الإحساس الصافي بأن فلسطين ما زالت تُكتب، وستُكتب، ما دام في هذا الوطن من يشبهه.
رحم الله ابن العم عبد الناصر صالح التايه، وجعل من شعره وسيرته وإرثه النضالي، الممتد من بيت والده المناضل محمد علي الصالح التايه، علامة مضيئة في الضمير الفلسطيني والإنساني ، فقد رحل عبد الناصر صالح، وبقي سؤال الشعر والضمير مفتوحاً في وجه هذا الزمن.
والله المستعان






